دفعة واحدة."وأنزلنا من السماء ماء طهورا"يطهر من الحدث، والخبث، ويطهر من الغش والأدناس، وفيه بركة من بركته، أنه أنزله ليحيي به، بلدة ميتا، فتختلف أصناف النباتات، والأشجار فيها، مما يأكل الناس والأنعام."ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا"أي: نسقيكموه، أنتم وأنعامكم، أليس الذي أرسل الرياح المبشرات، وجعلها، في عملها متنوعات، وأنزل من السماء، ماء طهورا مباركا، فيه رزق العباد، ورزق بهائمهم، هو الذي يستحق أن يعبد، وحده، ولا يشرك معه غيره؟ ولما ذكر تعالى هذه الآيات العيانية المشاهدة، وصرفها للعباد، ليعرفوه، ويشكروه، ويذكروه مع ذلك"فأبى أكثر الناس إلا كفورا"لفساد أخلاقهم وطبائعهم.
وقوله تعالى:? َهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * ? (الفرقان 53 - 54)
? قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى
أي: وهو وحده الذي مرج البحرين يلتقيان، البحر العذب، وهي الأنهار السارحة على وجه الأرض، والبحر الملح، وجعل منفعة كل واحد منهما مصلحة للعباد."وجعل بينهما برزخا"أي: حاجزا يحجز من اختلاط أحدهما بالآخر، فتذهب المنفعة المقصودة منها"وحجرا محجورا"أي: حاجزا حصينا."وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا"أي: وهو الله وحده لا شريك له، الذي خلق الآدمي، من ماء مهين ثم نشر منه ذرية كثيرة، وجعلهم أنسابا وأصهارا، متفرقين ومجتمعين، والمادة كلها من ذلك الماء المهين، فهذا يدل على كمال اقتداره، لقوله:"وكان ربك قديرا"