"أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده"يوم القيامة"إن ذلك على الله يسير". كما قال تعالى:"وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه"..."قل"لهم، إن حصل معهم ريب وشك في الابتداء:"سيروا في الأرض"بأبدانكم وقلوبكم"فانظروا كيف بدأ الخلق"فإنكم ستجدون أمما من الآدميين، لا تزال توجد شيئا فشيئا، وتجدون النبات والأشجار، كيف تحدث، وقتا بعد وقت، وتجدون السحاب والرياح ونحوها، مستمرة في تجددها. بل الخلق دائما في بدء وإعادة. فانظروا إليهم وقت موتتهم الصغرى ـ النوم ـ وقد هجم عليهم الليل بظلامه، فسكنت منهم الحركات، وانقطعت منهم الأصوات، وصاروا في فرشهم ومأواهم كالميتين. ثم إنهم لم يزالوا على ذلك، طول ليلهم، حتى تنفلق الأصباح، فانتبهوا من رقدتهم، وبعثوا من موتتهم، قائلين: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) ولهذا قال:"ثم الله"بعد الإعادة"ينشئ النشأة الآخرة"وهي النشأة لا تقبل موتا، ولا نوما، وإنما هو الخلود والدوام، في إحدى الدارين."إن الله على كل شيء قدير"فقدرته تعالى، لا يعجزها شيء، وكما قدر بها على ابتداء الخلق، فقدرته على الإعادة، من باب أولى وأخرى."يعذب من يشاء ويرحم من يشاء"أي: هو المنفرد بالحكم الجزائي، وهو: إثابة الطائعين، ورحمتهم، وتعذيب العاصين والتنكيل بهم."وإليه تقلبون"أي: ترجعون إلى الدار، التي بها تجري عليكم أحكام عذابه ورحمته. فاكتسبوا في هذه الدار، ما هو من أسباب رحمته من الطاعات. وابتعدوا عن أسباب عذابه، وهي المعاصي."وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء"أي: يا هؤلاء المكذبين، المتجرئين على المعاصي، لا تحسبوا أنه مغفول عنكم، أو أنكم معجزون لله في الأرض، ولا في السماء. فلا تغرنكم قدرتكم، وما زينت لكم أنفسكم، وخدعتكم، من النجاة من عذاب الله فلستم بمعجزين الله،