فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 973

"أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون"

وهذه الآيات الكريمات، فيها، ذكر شبهة منكري البعث، والجواب عنها بأتم جواب، وأحسنه، وأوضحه، فقال تعالى:"أو لم ير الإنسان"المنكر للبعث أو الشاك فيه، أمرا يفيده اليقين التام بوقوعه وهو:"أنا خلقناه"ابتداء"من نطفة"ثم تنقله في الأطوار شيئا فشيئا، حتى كبر وشب، وتم عقله، واستتب."فإذا هو خصيم مبين"بعد أن كان ابتداء خلقه من نطفة. فلينظر التفاوت بين هاتين الحالتين، واليعلم أن الذي أنشأه من العدم، قادر على أن يعيده بعدما تفرق وتمزق، من باب أولى."وضرب لنا مثلا"لا ينبغي لأحد أن يضربه، وهو قياس قدره الخالق بقدره المخلوق، وأن الأمر المستبعد على قدرة المخلوق، مستبعد على قدرة الخالق. فسر هذا المثل بقوله: (قال) ذلك الإنسان"من يحيي العظام وهي رميم"أي: هل أحد يحييها؟ استفهام إنكار، أي: لا أحد يحييها بعدما بيليت وتلاشت. هذا وجه الشبهة والمثل، وهو أن هذا أمر في غاية البعد على ما يعهد من قدرة البشر. وهذا القول الذي صدر من هذا الإنسان، غفلة منه، ونسيان لابتداء خلقه. فلو فطن لخلقه، بعد أن لم يكن شيئا مذكورا فوجد عيانا، لم يضرب هذا المثل. فأجاب تعالى عن هذا الاستبعاد، بجواب شاف كاف فقال:"قل يحييها الذي أنشأها أول مرة"وهذا بمجرد تصوره، يعلم به علما يقينا لا شبهة فيه، أن الذي أنشأها أول مرة قادر على الإعادة، ثاني مرة، وهو أهون على القدرة، إذا تصوره المتصور""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت