فهرس الكتاب

الصفحة 404 من 973

تدبر هذه الآيات الكريمات، الدالة على سعة رحمة الله، وجزيل فضله، ووجوب شكره، وكمال قدرته، وعظيم سلطانه، وسعة ملكه، وعموم خلقه لجميع الأشياء، وكمال حياته، واتصافه بالحمد على كل ما اتصف به، من الصفات الكاملة، وما فعله من الأفعال الحسنة. وتمام ربويته، وانفراده فيها وأن جميع التدبير في العالم العلوي والسفلي في ماضي الأوقات وحاضرها، ومستقبلها، بيد الله تعالى، ليس لأحد من الأمر شيء، ولا من القدرة شيء. فينتج من ذلك، أنه تعالى المألوه المعبود وحده، الذي لا يستحق أحد غيره، من العبودية شيئا، كما لم يستحق من الربوبية شيئا. وينتج من ذلك، امتلاء القلوب بمعرفة الله تعالى، ومحبته، وخوفه، ورجائه. وهذان الأمران ـ وهما معرفته وعبادته ـ هما اللذان خلق الله الخلق لأجلهما. وهما الغاية المقصودة منه تعالى لعباده. توهما الموصلان إلى كل خير وفلاح وصلاح، وسعادة دنيوية وأخروية. وهما أشرف عطايا الكريم لعباده. وهما أشرف اللذات على الإطلاق. وهما اللذان إن فاتا، فات كل خير، وحضر كل شر. فنسأله تعالى أن يملأ قلوبنا بمعرفته ومحبته، وأن يجعل حركاتنا الباطنة والظاهرة، خالصة لوجهه، تابعة لأمره، إنه لا يتعاظمه سؤال، ولا يحفه نوال. فقوله تعالى:"الله الذي جعل لكم الليل"أي: لأجلكم جعل الله الليل مظلما."لتسكنوا فيه"من حركاتكم، التي لو استمرت لضرت، فتأوون إلى فرشكم، ويلقي الله عليكم النوم، الذي يستريح به القلب والبدن وهو من ضروريات الآدمي لا يعيش بدونه. ويسكن فيه أيضا، كل حبيب إلى حبيبه، ويجتمع الفكر، وتقل الشواغل. (و) جعل تعالى"والنهار مبصرا"منيرا بالشمس المستمرة في الفلك. فتقومون من فرشكم إلى أشغالكم الدينية والدنيوية. هذا لذكره وقراءته، وهذا لصلاته، وهذا لطلبه العلم ودراسته، وهذا لبيعه وشرائه. وهذا لبنائه أو حدادته، أو نحوها من الصناعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت