يقول تعالى مبينا لقدرته العظيمة:"والسماء بنيناها"، أي: خلقناها وأتقناها، وجعلناها سقفا للأرض وما عليها."بأيد"، أي: بقوة وقدرة عظيمة"وإنا لموسعون"لأرجائها وأنحائها. وإنا لموسعون أيضا على عبادنا بالرزق الذي ما ترك دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسلفي، إلا وأوصل إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها. فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته، جميع البريات."والأرض فرشناها"، أي: جعلناها فراشا للخلق، يتمكنون فيها من كل ما تتعلق به مصالحهم، من مساكن وغراس وزرع وحرث وجلوس، وسلوك للسبل الموصلة إلى مقاصدهم ومآربهم. ولما كان الفراش قد يكون صالحا للانتفاع من كل وجه، وقد يكون من وجه دون وجه، أخبر تعالى أنه مهدها أحسن مهاد، على أكمل الوجوه وأحسنها، وأثنى على نفسه بذلك، فقال:"فنعم الماهدون"الذي مهد لعباده ما اقتضته حكمته ورحمته."ومن كل شيء خلقنا زوجين"، أي: صنفين، ذكر وأنثى، من كل نوع من أنواع الحيوانات."لعلكم تذكرون"لنعم الله التي أنعم بها عليكم في تقدير ذلك، وحكمته حيث جعل ما هو السبب لبقاء نوع الحيوانات كلها، لتقوموا بتنميتها وخدمتها وتربيتها، فيحصل من ذلك ما يحصل من المنافع. فلما دعا العباد إلى النظر إلى آياته الموجبة لخشيته، والإنابة إليه، أمر بما هو المقصود من ذلك، وهو الفرار إليه، أي: الفرار مما يكرهه الله ظاهرا وباطنا إلى ما يحبه، ظاهرا وباطنا، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر. فمن استكمل هذه الأمور، فقد استكمل الدين كله، وزال عنه المرهوب، وحصل له غاية المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فرارا، لأن في الرجوع إلى غيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب والأمن