تقولوا ما لا تفعلون"وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه وأمر نفسه ونهيها فترك أحدهما لا يكون رخصة في ترك الآخر فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين والنقص الكامل أن يتركهما وأما قيامه بأحدهما دون الآخر فليس في رتبة الأول وهو دون الأخير وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة ..."
"واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون"
أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها والصبر عن معصية الله حتى يتركها والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور ومن يتصبر يصبره الله وكذلك الصلاة التي هي ميزان الإيمان وتنهي عن الفحشاء والمنكر يستعان بها على كل أمر من الأمور"وإنها"أي: الصلاة"لكبيرة"أي: شاقة"إلا على الخاشعين"فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحا صدره لترقبه للثواب وخشية من العقاب بخلاف من لم يكن كذلك فإنه لا داعي له يدعوه إليها وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته وسكونه لله تعالى وانكساره بين يديه ذلا وافتقارا وإيمانا به وبلقائه ولهذا قال:"الذين يظنون"أي: يستيقنون