"وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط". ودل هذا، على بيان القسط، وأن مادته هو ما شرعه الله من الأحكام فإنها المشتملة على غاية العدل والقسط، وما خالف ذلك، فهو جور وظلم."ولا تتبع أهواءهم"كرر النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها. ولأن ذلك، في مقام الحكم والفتوى، وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده. وكلاهما، يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم، المخالفة للحق، ولهذا قال:"واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك"أي: إياك والاغترار بهم، وأن يفتنوك، فيصدوك عن بعض ما أنزل الله إليك. فصار اتباع أهوائهم سببا موصلا إلى ترك الحق الواجب، والفرض اتباعه."فإن تولوا"عن اتباعك، واتباع الحق"فاعلم"أن ذلك عقوبة عليهم و"أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم"فإن للذنوب عقوبات عاجلة وآجلة. ومن أعظم العقوبات، أن يبتلى العبد ويزين له ترك اتباع الرسول، وذلك لفسقه."وإن كثيرا من الناس لفاسقون"أي: طبيعتهم الفسق والخروج عن طاعة الله، واتباع رسوله."أفحكم الجاهلية يبغون"أي: أفيطلبون بتوليهم وإعراضهم عنك، حكم الجاهلية. وهو كل حكم خالف ما أنزل الله على رسوله. فلا ثم إلا حكم الله ورسوله أو حكم الجاهلية. فمن أعرض عن الأول، ابتلى بالثاني المبني على الجهل، والظلم، والغي، ولهذا أضافه الله للجاهلية. وأما حكم الله تعالى، فمبني على العلم، والعدل، والقسط، والنور، والهدى."ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون"فالموقن، هو الذي يعرف الفرق بين الحكمين ويميز ـ بإيقانه ـ ما في حكم الله، من الحسن والبهاء، وأنه يتعين ـ عقلا وشرعا ـ اتباعه. واليقين، هو: العلم التام، الموجب للعمل.