فهرس الكتاب

الصفحة 806 من 973

قوله تعالى:"وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة"أي: يذهب أحدهما، فيخلفه الآخر، وهكذا أبدا، لا يجتمعان، ولا يرتفعان."لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا"أي: لمن أراد أن يتذكر بهما ويعتبر، ويستدل بهما على كثير من المطالب الإلهية، ويشكر الله على ذلك، ولمن أراد أن يذكر الله ويشكره، ورد من الليل أو النهار، فمن فاته ورده من أحدهما، أدركه في الآخر، وأيضا فإن القلوب تتقلب وتنتقل، في ساعات الليل والنهار، فيحدث لها النشاط والكسل، والذكر والغفلة، والقبض والبسط، والإقبال والإعراض، فجعل الله الليل والنهار، يتوالى كل منهما على العباد، ويتكرران، ليحدث لهم الذكر والنشاط، والشكر لله في وقت آخر، ولأن أوقات العبادات، تتكرر بتكرر الليل والنهار، فكلما تكررت الأوقات، أحدث للعبد همة غير همته، التي كسلت عنه، في الوقت المتقدم، فزاد في تذكرها وشكرها، فوظائف الطاعات، بمنزلة سقي الإيمان، الذي يمده، فلولا ذلك، لذوي غرس الإيمان ويبس. فلله أتم حمد، وأجمله على ذلك. ثم ذكر من جملة كثرة خيره، منته على عباده الصالحين، وتوفيقهم للأعمال الصالحات، التي أكسبتهم المنازل العاليات، في غرف الجنات فقال:"وعباد الرحمن"إلى"فسوف يكون لزاما". العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته، فهذه يشترك فيها سائر الخلق، مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون"إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا"وعبودية لألوهيته، وعبادته، ورحمته، وهي: عبودية أنبيائه، وأوليائه، وهي المراد هنا، ولهذا أضافها إلى اسمه"الرحمن"إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال، بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات، ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم"يمشون على الأرض هونا"أي: ساكنين متواضعين لله، وللخلق، فهذا وصف لهم، بالوقار، والسكينة، والتواضع لله،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت