فهرس الكتاب

الصفحة 817 من 973

، المقبلون على طريق الغي والردي. فهم في أنفسهم غاوون، وتجد أتباعهم كل غاو، ضال فاسد."ألم تر"غوايتهم وشدة ضلالهم"أنهم في كل واد"من أودية الشعر،"يهيمون"فتارة في مدح، وتارة في قدح، وتارة يتغزلون، وأخرى يسخرون، ومرة يمرحون، وآونة يحزنون، فلا يستقر لهم قرار، ولا يثبتون على حال من الأحوال."وأنهم يقولون ما لا يفعلون"أي: هذا وصف الشعراء، أنهم تخالف أقوالهم أفعالهم. فإذا سمعت الشاعر يتغزل بالغزل الرقيق، قلت هذا أشد الناس غراما، وقلبه فارغ من ذاك، وإذا سمعته يمدح أو يذم، قلت: هذا صدق، وهو كذب. وتارة يتمدح بأفعال لم يفعلها، وتروك لم يتركها، وكرم لم يحم حول ساحته، وشجاعة يعلو بها على الفرسان، وتراه أجبن من كل جبان، هذا وصفهم. فانظر، هل يطابق حالة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الراشد البار، الذي يتبعه كل راشد ومهتد، الذي قد استقام على الهدى، وجانب الردى، ولم تتناقض أفعاله؟، فهو لا يأمر إلا بالخير، ولا ينهي إلا عن الشر، ولا أخبر بشيء إلا صدق، ولا أمر بشيء إلا كان أول الفاعلين له، ولا نهى عن شيء إلا كان أول التاركين له. فهل تناسب حاله، حالة الشعراء، ويقاربهم؟ أم هو مخالف لهم من جميع الوجوه؟ فصلوات الله وسلامه، على هذا الرسول الأكمل، والهمام الأفضل، أبد الآبدين، ودهر الداهرين، الذي ليس بشاعر، ولا ساحر، ولا مجنون، لا يليق به إلا كل الكمال. ولما وصف الشعراء بما وصفهم به، استثنى منهم من آمن بالله ورسوله، وعمل صالحا، وأكثر من ذكر الله، وانتصر من أعدائه المشركين، من بعد ما ظلموهم. فصار شعرهم، من أعمالهم الصالحة، وآثار إيمانهم، لاشتماله على مدح أهل الإيمان، والانتصار من أهل الشرك والكفر، والذب عن دين الله، وتبيين العلوم النافعة، والحث على الأخلاق الفاضلة فقال:"إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت