"مثاني"أي: تثنى في القصص والأحكام، والوعد والوعيد، وصفات أهل الخير، وصفات أهل الشر، وتثنى فيه أسماء الله وصفاته. وهذا من جلالته، وحسنه، فإنه تعالى، لما علم احتياج الخلق إلى معانيه المزكية للقلوب، المكملة للأخلاق، وأن تلك المعاني للقلوب، بمنزلة الماء لسقي الأشجار. فكما أن الأشجاء كلما بعد عهدها بسقي الماء نقصت، بل ربما تلفت، وكلما تكرر سقيها حسنت، وأثمرت أنواع الثمار النافعة. فكذلك القلب يحتاج دائما إلى تكرر معاني كلام الله تعالى عليه، وأنه لو تكرر عليه المعنى مدة واحدة في جميع القرآن، لم يقع منه موقعا، ولم تحصل النتيجة منه. ولهذا سلكت في هذا التفسير هذا المسلك الكريم، اقتداء بما هو تفسير له. فلا تجد فيه الحوالة على موضع من المواضع. بل كل موضع تجد تفسيره، كامل المعنى، غير مراع لما مضى، مما يشبهه. وإن كان بعض المواضع، يكون أبسط من بعض، وأكثر فائدة، وهكذا ينبغي لقارئ القرآن، المتدبر لمعانيه، أن لا يدع التدبر في جميع المواضع منه. فإنه يحصل له بسبب ذلك، خير كثير، ونفع غزير. ولما كان القرآن العظيم بهذه الجلالة والعظمة، أثر في قلوب أولي الألباب المهتدين فلهذا قال تعالى:"تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم"لما فيه من التخويف والترهيب المزعج."ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله"أي: عند ذكر الرجاء والترغيب. فهو تارة يرغب لعمل الخير، وتارة يرهبهم من عمل الشر."ذلك"الذي ذكره الله من تأثير القرآن فيهم."هدى الله"أي: هداية منه لعباده، وهو من جملة فضله وإحسانه عليهم."يهدي به"أي: القرآن الذي وصفناه لكم."هدى الله"الذي لا طريق يوصل إلى الله إلا منه"يهدي به من يشاء من عباده"ممن حسن قصده، كما قال تعالى:"يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام""ومن يضلل الله فما له من هاد"لأنه لا طريق يوصل إليه إلا توفيقه