هذا بيان لكمال كرم الله تعالى، وسعة جوده، وتمام لطفه، إذ"يقبل التوبة"الصادرة"عن عباده"حين يقلعون عن ذنوبهم، ويندمون عليها، ويعزمون على أن لا يعاودوها، إذا قصدوا بذلك وجه ربهم، فإن الله يقبلها، بعدما انعقدت سببا للهلاك، ووقوع العقوبات الدنيوية والدينية."ويعفو عن السيئات"ويمحوها، ويمحو أثرها من العيوب، وما اقتضته من العقوبات. ويعود التائب عنده كريما، كأنه ما عمل سوءا قط، ويحبه، ويوفقه لما يقربه إليه. ولما كانت التوبة من الأعمال العظيمة، التي قد تكون كاملة بسبب تمام الإخلاص والصدق فيها، وقد تكون ناقصة عند نقصهما، وقد تكون فاسدة، إذا كان القصد منها، بلوغ غرض من الأغراض الدنيوية، وكان محل ذلك القلب الذي لا يعلمه إلا الله، ختم هذه الآية بقوله:"ويعلم ما تفعلون". فالله تعالى، دعا جميع العباد إلى الإنابة إليه، والتوبة من التقصير، فانقسموا ـ بحسب الاستجابة له ـ إلى قسمين: مستجيبين وصفهم بقوله:"ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات"أي: يستجيبون لربهم، لما دعاهم إليه وينقادون له، ويلبون دعوته، لأن ما معهم من الإيمان والعمل الصالح، يحملهم على ذلك. فإذا استجابوا له، شكر الله لهم، وهو الغفور الشكور."ويزيدهم من فضله"توفيقا ونشاطا على العمل، وزادهم مضاعفة في الأجر، زيادة عن ما تستحقه أعمالهم من الثواب والفوز العظيم. وأما غير المستجيبين لله (و) هم المعاندون"الكافرون"به وبرسله، فإنهم"لهم عذاب شديد"في الدنيا والآخرة. ثم ذكر أن من لطفه بعباده، أنه لا يوسع عليهم الدنيا سعة، تضر بأديانهم فقال:"ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض"أي: لغفلوا عن طاعة الله، وأقبلوا على التمتع بشهوات الدنيا، فأوجبت لهم الانكباب على ما تشتهيه نفوسهم، ولو كان معصية وظلما."ولكن ينزل بقدر ما يشاء"بحسب ما اقتضاه لطفه وحكمته""