قال تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] [1] .
وقال الأخنس بن شريق، وكان اسمه أبيًا، وكان حليفًا لبني زهرة: يا بني زهرة، قد نجى الله عيركم، وخلص أموالكم، ونجى صاحبكم مخرمة بن نوفل، وإنما خرجتم لتمنعوه وماله، وإنما محمد رجل منكم، ابن أختكم، فإن يك نبيًا فأنتم أسعد به، وإن يك كاذبًا يلي قتله غيركم، خير من أن تلوا قتل ابن أختكم، فارجعوا واجعلوا جبنها بي، فلا حاجة لكم أن تخرجوا في غير منفعة، لا ما يقول هذا الرجل، فإنه مهلك قومه، سريع في فسادهم، فأطاعوه، وكان فيهم مطاعًا، وكانوا يتيمنون به، قالوا: كيف نصنع بالرجوع إن نرجع؟
قال الأخنس: نخرج مع القوم، فإذا أمسي ت سقطت عن بعيري، فتقولون: نهش [2] الأخنس، فإذا قالوا: امضوا، فقولوا: لا نفارق صاحبنا حتى نعلم أهو حي أم ميت فندفنه، فإذا مضوا رجعنا. ففعلت بنو زهرة، فلما أصبحوا بالأبواء [3] . راجعين تبين للناس أن بني زهرة رجعوا، فلم يشهدها أحد من بني زهرة. قالوا: وكانوا مائة أو أقل من المائة، وهو أثبت، وقد قال قائل: كانوا ثلاثمائة. وقال عدي بن أبي الزغباء في منحدره إلى المدينة من بدر، وانتشرت الركاب عليه، فجعل عدي يقول:
أقم لها صُدورها يا بسبسُ إن مطايا [4] القوم لا تحبس
وحملها على الطَّريق أكيس قد نصر الله وفرَّ الأخنس
وخرجت بنو عدي مع النفير حتى كانوا بثنية لَفْت [5] ، فلما كانوا في السحر عدلوا في
(1) ... زاد المعاد (3/ 172 - 173) .
(2) ... نهش: أي نهس أو لسع، القاموس المحيط، ص 608.
(3) الأبواء: قال المجد: هي قرية من عمل الفرع، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، فتكون على خمسة أيام من المدينة، وقيل الأبواء جبل عن يمين آرة، ويمين الطريق المصعد إلى مكة، وهناك بلد ينسب إلى ذلج الجبل، وهو بمعنى قول الحافظ ابن حجر:"الأبواء جبل من عمل الفُرع، سمي به لوبائه على القلب"، وقيل: لأن السيول تتبوؤه أي تحله، قال السمهودي: ويجمع بأنه اسم للجبل والوادي، وقريته، وفاء الوفا (4/ 1119) .
(4) ... المطايا: المطي جمع مطية، وهي الناقة التي يركب مطاها، أي ظهرها، النهاية في غريب الحديث (4/ 340) .
(5) ... قال البكري: لفت بفتح أوله وكسره وسكون الفاء، موضع بين مكة والمدينة. معجم ما استعجم ص 494.