بالسيف، فوالله لقد نافق، فكان أبو حذيفة يقول: ما أنا بآمن من تلك الكلمة التي قلت يومئذ، ولا أزال منها خائفًا إلا أن تكفرها عني الشهادة، فقتل يوم اليمامة شهيدًا [1] .
قال ابن هشام: وإنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتل أبي البختري، لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمكة، وكان لا يؤذيه، ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني المطلب، فلقيه المجذر بن ذياد البلوي حليف الأنصار، ثم من بني سالم بن عوف، فقال المجذر لأبي البختري: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهانا عن قتلك، ومع أبي البختري زميل له قد خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة بنت زهير بن الحارث بن أسد، وجنادة رجل من بني ليث، واسم أبي البختري: العاص، قال: وزميلي؟ فقال له المجذر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك، ما أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بك وحدك، فقال: لا والله إذا لأموتن أنا وهو جميعًا، لا تحدث عني نساء مكة أني تركت زميلي حرصًا على الحياة، فقال أبو البختري حين نازله المجذر وأبى إلا القتال يرتجز [من الرجز] :
لن يُسلم ابن حُرّة زميلَهُ [2] حتى يموت أو يرى سبيلَهُ
فاقتتلا، فقتله المجذر بن ذياد.
وقال المجذر بن ذياد في قتله أبا البختري [من الرجز] :
إما جهلتَ أو نسيتَ نسبي فأثبِت النِّسبة إني من بَلي
الطاعنين برماح اليَزَنِي والضاربين الكبش حتى يَنْحَني [3]
بَشِّر بِيُتْم من أبيه البَختري أو بشرن بمثلها منّي أبوه
أنا الذي يقال: أصلي من بَلي أطعن بالصَّعْدة حتى تنثني [4]
وأعبِطُ القِرْنَ بعضب مشرفي [5] أُرْزِمُ للموت كإِرْزام المَرِي [6]
(1) ... السيرة النبوية (2/ 220) ، وفي سنده مجاهيل، لكن صرح بأسمائهم في رواية الحاكم في المستدرك (3/ 247) عن العباس بن معبد عن أبيه عن ابن عباس وسنده لا بأس به.
(2) ... الزميل: الصاحب الذي يركب معه على بعير واحد، شرح السيرة النبوية ص 158.
(3) ... الطاعنين برماح اليزني، وهي رماح منسوبة إلى ذي يزن، وهو ملك من ملوك اليمن، والكبش: رئيس القوم، شرح السيرة النبوية ص 158.
(4) ... الصَّعْدة: عصا الرمح، ثم سمي الرمح صعدة، المصدر السابق ص 158.
(5) ... أعبط معناه: أقتل: والعبط القتل من غير سبب، المصدر السابق ص 158، والقرن بالكسر الكفء والنظير في الشجاعة والحرب، ويجمع على أقران، النهاية في غريب الحديث (4/ 55) ، والعضب: السيف القاطع، والمشرفي منسوب إلى المشارف، وهي قرى بالشام، شرح السيرة النبوية ص 158.
(6) ... قال أبو ذر الخشني: قال ابن أبي الخصال في حاشية كتابة: الإرزام الشدة، والمري: الناقة التي يستنزل لبنها بعسر. وقال ابن طريف: الإرزام رغاء الناقة بجنان، وفي كتاب العين المَري: الناقة الغزيرة اللبن، المصدر السابق، ص 158.