قرئ بكسر الدال وفتحها [1] ، فقيل: المعنى أنهم ردف لكم، وقيل: يُردف بعضهم بعضًا أرسالًا لم يأتوا دُفعة واحدة.
فإن قيل: ههنا ذكر أنه أمدهم بألف، وفي سورة آل عمران قال: {إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) } [آل عمران: 124 - 125] . فكيف الجمع بينهما؟
قيل: قد اختلف في هذا الإمداد الذي بثلاثة آلاف، والذي بالخمسة على قولين:
أحدهما: أنه كان يوم أحد، وكان إمدادًا معلقًا على شرط، فلما فات شرطه، فات الإمداد، وهذا قول الضحاك ومقاتل، وإحدى الروايتين عن عكرمة.
والثاني: أنه كان يوم بدر، وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والرواية الأخرى عن عكرمة، اختاره جماعة من المفسرين.
وحجة هؤلاء أن السياق يدل على ذلك، فإنه سبحانه قال: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} [آل عمران: 123 - 125] .
إلى أن قال: {وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ} [آل عمران: 126] ، أي هذا الإمداد {إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ} [آل عمران: 126] .
قال هؤلاء: فلما استغاثوا أمدهم بتمام ثلاثة آلاف، ثم أمدهم بتمام خمسة آلاف لما صبروا واتقوا، فكان هذا التدريج، ومتابعة الإمداد، أحسن موقعًا، واقوى لنفوسهم، وأسرّ لها من أن يأتي به مرة واحدة، وهو بمنزلة متابعة الوحي ونزوله مرة بعد مرة.
وقالت الفرقة الأولى: القصة في سياق أحد، وإنما أدخل ذكر بدر اعتراضًا في أثنائها، فإنه
(1) ... قال محققا زاد المعاد الشيخ شعيب الأرناؤوط، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي «مردفين» بكسر الدال، وقرأ نافع وأبو بكر عن عاصم «مردَفين» بفتح الدال، والحجة لمن كسر الدال أنه جعل الفعل للملائكة، فأتى باسم الفاعل من «أردف» والحجة لمن فتح الدال أنه جعل الفعل لله عز وجل، فأتى باسم المفعول من «أردف» ، والعرب تقول: أردفت الرجل: أركبته على عجز دابتي خلفي، وردفته: إذا ركبت خلفه، زاد المسير (2/ 326) ، والحجة ص 145 لابن خالويه.