قبل معركة بدر وبعدها - بأمور بدرت منهم يحب لهم أن يتنزهوا عنها مهما بلغ من شدة الدوافع والمبررات لارتكابها، فهم يوم خرجوا من يثرب لملاقاة مشركي مكة تعلقت أمانيهم بإحراز العير، وما تحمل من ذخائر ونفائس.
حقًا إنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وضحوا في سبيل الله بأنفسهم وأولادهم، فليمضوا في طريق الفداء إلى المرحلة الأخيرة، ومهما عضهم الفقر بنابه، فليكن التنكيل بالكافرين أرجح في ميزانهم، من الاستيلاء على الغنيمة، قال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] .
ومن هذا القبيل تسابقهم بعد النصر إلى حيازة الغنائم، ومحاولة كل فريق الاستئثار بها" [1] ."
المسلمون يكونون ثلاث جبهات:
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبادة بن الصامت، قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فشهدت معه بدرًا، فالتقى الناس فهزم الله العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يطاردون ويقتلون، وأكبت طائفة على المغنم يحوزونه ويجمعونه. وأحدقت طائفة برسول الله لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل، وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها، وليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحق بها منا، نحن نجينا منها العدو وهزمناه، وقال الذين أحدقوا برسول الله: خفنا أن يصيب العدو منه غرة، فاشتغلنا به، فأنزل الله: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الأَنْفَالِ قُلْ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 1] . فقسمها رسول الله بين المسلمين [2] .
ولما تصاف المسلمون والمشركون قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من قتل قتيلًا فله كذا وكذا، ومن أسر أسيرًا فله كذا وكذا"، فلما انهزموا كان الناس ثلاث فرق، فرقة قامت عند خيمة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو بكر - رضي الله عنه - معه في الخيمة، وفرقة أغارت على النهب، وفرقة طلبت العدو فأسروا وغنموا، فتكلم
(1) ... فقه السيرة ص 233 - 234.
(2) ... سبق تخريجه ص 83.