شهادة الحق. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"فقهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القرآن، وأطلقوا له أسيره". ففعلوا. ثم قال: يا رسول الله، إني كنت جاهدًا على إطفاء نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله - عز وجل -، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى، وإلى رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى الإسلام؛ لعل الله يهديهم، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أؤذي أصحابك في دينهم. فأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلحق بمكة، وكان صفوان بن أمية حين خرج عمير بن وهب يقول: أبشروا بواقعة تأتيكم الآن في أيام، تنسيكم وقعة بدر، وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه، فحلف ألا يكلمه أبدًا، ولا ينفعه بنفع أبدًا.
قال ابن إسحاق: فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام، ويؤذي من خالفه أذىً شديدًا، فأسلم على يديه ناس كثير [1] .
إن فشل محاولة صفوان التخفيف من أسى قريش، وحزنها لم تفلح، فالنفوس متألمة، والقلوب دامية، لذا لم تجد قريش فرصة للنيل من المسلمين إلا سلكتها، فقد اشترت أسرى من المسلمين لتقتلهم، ولتأخذ الثأر منهم.
روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سرية عينًا [2] ، وأمر عليهم عاصم بن ثابت، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب، فانطلقوا حتى إذا كان بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم بنو لحيان، فتبعوهم بقريب من مائة رام فاقتصوا آثارهم حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتتبعوا آثارهم، حتى لحقوهم، فلما
(1) ... السيرة النبوية (2/ 254 - 255) ، وأخرجه الطبراني (17/ 56 - 57) رقم (117) عن عروة مرسلًا، وقال الهيثمي في المجمع (8/ 286) ، وهو مرسل، وإسناده حسن. اهـ. قلت: فيه ابن لهيعة أيضًاَ، والراوي عنه من غير العبادلة، ورواه الطبراني أيضًا (17/ 58) رقم (118) . قال ابن حجر في الإصابة (5/ 36 - 37) : ورواه ابن مندة موصولًا من طريق أبي الأزهر عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن أبي عمران الجوني عن أنس أو غيره، وقال ابن مندة: غريب لا نعرفه عن أبي عمران إلا من هذا الوجه. اهـ. قلت: وإسناده حسن.
(2) ... العين: هو الذي يرصد أخبار العدو ويتحسسها، ويسمى الجاسوس، النهاية في غريب الحديث (3/ 331) .