أ - فيها أن الفشل، والتنازع قد يقع في صفوف المسلمين.
ب - أنه يجب إزالة أسباب النزاع بين المجاهدين؛ لأن النزاع من أسباب الهزيمة، فالقائد المحنك هو الذي يحرص على نقل النزاع إلى صف العدو، كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة نعيم، وغيرها.
الخامس والثلاثون: قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} [الأنفال: 43] ، هذه السلامة حصلت بسبب الرؤيا، ولو شاء سبحانه لكتب السلامة بلا سبب، ولكنه فعل ذلك مراعاة لطبيعة حال البشرية، ولذلك قال: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الأنفال: 43] .
السادس والثلاثون: قوله تعالى: {إِذْ يُرِيكَهُمْ اللَّهُ} [الأنفال: 43] ، فيه أنه من أسباب النصر تصوير جيش العدو بما يدل على ضعفه وإن لم يكن ذلك واقعًا، وهذا ليس دائمًا، بل لكل حال ما يناسبه، والقائد الحكيم هو الذي يراعي اختلاف الأحوال [1] .
السابع والثلاثون: قوله تعالى: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذْ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا} [الأنفال: 44] . هذه الرؤيا رؤية يقظة لا منام فهي تصديق لرؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد بين فيها تعالى أن رؤيتهم لهم قليلًا أن ذلك في نظر العين لا في واقع الحال ليشجع قلوبهم، ويجرئهم على الإقدام عليهم ففيه اتخاد الأسباب التي تتقوى بها قلوب المقاتلين.
الثامن والثلاثون: قوله تعالى: {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} [الأنفال: 44] أراد بذلك ربنا عز وجل أن لا يكون للكفار عذر في ترك اللقاء لو أرادوا، ولذا قال: {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 44] وهذا الأمر الذي أراده، وأحبه هو ما بينه بقوله: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7] .
قال الرازي: واعلم أنه تعالى قلل عدد المشركين، وقلل أيضًا عدد المؤمنين في أعين المشركين، والحكمة في التقليل الأول تصديق رؤيا الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأيضًا لتقوى قلوبهم، وتزداد جرأتهم عليهم، والحكمة في التقليل الثاني أن المشركين لما استقلوا عدد المسلمين لم يبالغوا في الاستعداد، والتأهب والحذر، فصار ذلك سببًا لاستيلاء المؤمنين عليهم.
التاسع والثلاثون: قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] . في هذه الآية والتي قبلها بيان
(1) ... في تبوك اختلف الحال.