صلى الله علهي وسلم لأصحابه: «احملوا» فلم تكن إلا الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر، وأنزل الله - عز وجل-: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} ، قال ابن عقبة [1] وابن عائذ [2] : فكانت تلك الحصباء عظيمًا شأنها، لم تترك من المشركين رجلًا إلا ملأت عينيه، وجعل المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، وبادر كل رجل منهم منكبًا على وجهه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه [3] .
قال ابن كثير - رحمه الله - وهو يرد على من حمل الآية على غير بدر:"وإلا فسياق الآية في سورة الأنفال في قصة بدر لا محالة، وهذا مما لا يخفى على أئمة العلم، والله أعلم [4] ."
وقال في موضع آخر بعدما نقل عن جمع من أهل العلم: إن هذه الآية نزلت في بدر، وقد فعل عليه الصلاة والسلام مثل ذلك في غزوة حنين، كما سيأتي في موضعه [5] . اهـ
ج - ومنها دعاؤهم على أنفسهم بالهلاك: وذلك في قوله تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ} [الأنفال: 19] الآية.
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث ثعلبة بن صعير [6] أن أبا جهل قال حين التقى
(1) موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير، ثقة فقيه إمام في المغازي، من الخامسة، مات سنة إحدى وأربعين، انظر: التقريب ص 552، برقم (6992) .
(2) ابن عائذ: هو محمد بن عائذ الدمشقي، أبو أحمد، صاحب المغازي، صدوق، رمي بالقدر، من العاشرة، مات سنة ثلاث وثلاثين وله ثلاث وثمانون سنة، تقريب التهذيب ص 486، برقم (5989) .
(3) ابن جرير في تفسيره (6/ 204) ، والبيهقي في دلائل النبوة (3/ 78 - 79) وفي سنده عبد الله بن صالح الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة. تقريب التهذيب ص 308، وعلي بن أبي طلحة مولى بني العباس، قال الحافظ في التقريب ص 402: أرسل عن ابن عباس ولم يره.
أما سند الأموي فقال: حدثنا أبي ثنا ابن إسحاق، حدثني الزهري عن ابن ثعلبة بن صعير بنحوه، وهو سند جيد. وانظر: البداية والنهاية (5/ 126) .
(4) تفسير ابن كثير (2/ 296) .
(5) البداية والنهاية (5/ 127) .
(6) ويقال ابن أبي صعير بن عمرو بن زيد بن سنان القضاعي العذري، قال ابن مندة أبونعيم: هو مختلف فيه، فقيل ابن صعير، وقيل ابن أبي صعير، وقيل ثعلبة بن عبد الله، وقيل عبد الله بن ثعلبة، قال أبو عمر: قال الدارقطني: لثعلبة هذا ولابنه عبد الله صحبة. فعلى هذا لا يكون فيه اختلاف. اهـ. أسد الغابة لابن الأثير (1/ 276 - 277) .