بسبب القلة وعدم الأهبة، ونزلوا بعيدين عن الماء، وكانت الأرض التي نزلوا فيها أرضًا رملية تغوص فيها أرجلهم، وأما الكفار فكانوا في غاية القوة؛ بسبب الكثرة في العدد؛ وبسبب حصول الآلات والأدوات؛ لأنهم كانوا قريبين من الماء؛ ولأن الأرض التي نزلوا فيها كانت صالحة للمشي، ولأن العير كانت خلف ظهورهم، وكانوا يتوقعون مجيء المدد من العير إليهم ساعة فساعة. ثم إنه تعالى قلب القصة، وعكس القضية، وجعل الغلبة للمسلمين، والدمار على الكافرين، فصار ذلك من أعظم المعجزات، وأقوى البينات على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر عن ربه من وعد النصر والفتح والظفر.
فقوله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] ، إشارة إلى هذا المعنى، وهو أن الذين هلكوا إنما هلكوا بعد مشاهدة هذه المعجزة، والمؤمنون الذين بقوا في الحياة شاهدوا هذه المعجزة القاهرة، والمراد من البينة هذه المعجزة" [1] ."
مائة وثلاث وثلاثون: قوله تعالى: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ} [الأنفال: 42] .
يحتمل أن المراد بذلك الزمان والمكان، ويحتمل أن المراد الزمان فقط، والثاني أرجح؛ لأن اختيار الفريقين اللقاء في بدر له أسباب سبق ذكرها في موضع سابق.
مائة وأربع وثلاثون: قوله تعالى: {وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال: 42] . فيه من الفوائد أن الله تعالى قدر الأشياء قبل وقوعها، وهو صريح قوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ} [الحديد: 22] . وهذه إحدى مراتب القدر التي يجب الإيمان بها.
مائة وخمس وثلاثون: أن الأخذ بالأسباب المشروعة أمر مشروع، كل بحسبه، فإن الرب جل وعلا مع علمه بما سيقع، لم يمنعهم من أخذ الأسباب التي يرونها.
مائة وست وثلاثون: قوله تعالى: {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} [الأنفال: 42] ، أراد - عز وجل - أن يظهر بوقوع هذه المعركة على هذا النحو، أن محمدًا وأصحابه على الحق، وأن عدوهم على الباطل؛ إقامة للحجة، وقطعًا للأعذار.
مائة وسبع وثلاثون: قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42] ، فيها:
أ - إثبات اسمين لله تعالى من أسمائه الحسنى التي يدعى بها.
(1) ... التفسير الكبير للرازي (15/ 168) .