فيه أنهم كانوا يرون أنفسهم أولى بالحق من النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولم يشفع لهم ذلك؛ لأن ما رأوه لم يكن مبنيًا على الدليل والبرهان، وإنما كان مبينًا على شبهات وتخيلات، لا يسندها دليل، ولا برهان، كقولهم: نحن أهل حرم الله، وكاستشهادهم باليهود، مع علمهم بكذبهم.
مائة واثنان وأربعون: قوله: {وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتْ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ، هذا الحال الذي ذكره اللهُ يشاهد كثيرًا من المدعين للشجاعة أو الكرم، أو غيرها من الصفات التي يحاولون الظهور بها، ولكن سرعان ما تتلاشى هذه الحقائق، ساعة الجد والعمل، فأشبهوا الشيطان بطريقتهم هذه، وبئس الشبيه.
مائة وثلاث وأربعون: أن الشيطان قد يتصور بصورة البشر، فيظهر للناس ليضلهم ويفتنهم [1] .
مائة وأربع وأربعون: قوله تعالى عن الشيطان: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} ، الخوف لا ينفع؛ لأنه خوف مؤقت، وهذا الحكم عام في جميع أعمال الإيمان، فإنها لا تنفع صاحبها إلا إذا استمر عليها حتى الممات.
مائة وخمس وأربعون: شدة تمسك أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بدينهم واعتصامهم به، يؤخذ ذلك مما حكاه الله عن المنافقين أنهم قالوا للمؤمنين: {غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ} [الأنفال: 49] .
مائة وست وأربعون: أن من التوكل ما يبلغ بالمرء إلى اتهامه أنه مغرر بنفسه مهلك لها، ولكن إذا علم العبد من نفسه الصدق في توكله فلا يبالي بما قيل.
مائة وسبع وأربعون: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه مع فضلهم لم يسلموا من لمز المنافقين.
مائة وثمان وأربعون: أن القلوب تمرض كما تمرض الأبدان، ودواؤها إخلاصها لله - عز وجل -، قال تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] .
مائة وتسع وأربعون: أن من مال إلى المنافقين، وتشبه بهم في أقوالهم، وأفعالهم مريض
(1) ... ظهوره في بدر، وفي قصة الدجال، ونحوها.