فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 341

والحاصل أنه وقع للمسلمين في وقعة بدر كراهتان: كراهة قسمة الغنيمة على السوية، وهذه الكراهة من شبانهم فقط، وهي لداعي الطبع، ولتأويلهم بأنهم باشروا القتال دون الشيوخ، والكراهة الثانية كراهة قتال قريش، وعذرهم فيها أنهم خرجوا من المدينة ابتداء لقصد الغنيمة، ولم يتهيؤوا للقتال، فكان ذلك سبب كراهتهم للقتال، فشبه الله إحدى الحالتين بالأخرى في مطلق الكراهة، قاله سليمان الجمل. قوله: {وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ} ، أي الخروج، وذلك أن أبا سفيان قدم بعير من الشام وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ليغنموها، فعلمت قريش فخرج أبو جهل ومقاتلو مكة ليذبوا عنها، وهم النفير، وأخذ أبو سفيان بالعير طريق الساحل فنجت، فقيل لأبي جهل: ارجع، فأبى وسار إلى بدر، فشاور النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، وقال: «إن الله تعالى وعدني إحدى الطائفتين [1] » ، فوافقوه على قتال النفير، وكره بعضهم ذلك، وقالوا: لم نستعد له، يقول - أي ابن عباس-: فكان الخروج إلى بدر خيرًا لهم، لما ترتب عليه من النصر والظفر [2] .

ثم قال سبحانه: يجادلك يا محمد فريق من المؤمنين في القتال، من بعد ما تبين لهم أن ذلك واقع، كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون إليه عيانًا.

ثم قال: واذكروا أيها المجادلون وعد الله لكم بالظفر بإحدى الطائفتين: العير وما تحمله من أرزاق، أو النفير، وهو قتال الأعداء والانتصار عليهم، وأنتم تحبون الظفر بالعير دون القتال.

ويريد الله أن يحق الحق ويعليه بأمره إياكم بقتال الكفار، ويستأصل الكافرين بالهلاك [3] .

قال تعالى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10) إِذْ يُغَشِّيكُمْ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ

(1) تقدم تخريجه ص 55.

(2) انظر: عون المعبود، للعلامة محمد شمس الحق العظيم آبادي (7/ 293) .

(3) انظر: التفسير الميسر، لجماعة من العلماء، بإشراف، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، بالمملكة العربية السعودية، ص 177.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت