المقوية للقلوب والأبدان، ونهاهم عن الفرار إذا التقى الزحفان، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا} ، أي: في صف القتال، وتزاحف الرجال، واقترب بعضهم من بعض {فَلا تُوَلُّوهُمْ الأَدْبَارَ} .. بل اثبتوا لقتالهم، واصبروا على جلادهم، فإن في ذلك نصرة لدين الله، وقوة لقلوب المؤمنين، وإرهابًا للكافرين. وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد.
ومفهوم الآية الأخيرة: أن المتحرف للقتال، وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك؛ لأنه لم يولِّ دبره فارًا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار فإن ذلك جائز [1] .
روى أبو داود في سننه من حديث أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: نزلت في يوم بدر {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [2] .
قال الحافظ ابن كثير: وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حرامًا على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم [3] من أن الفرار من الزحف من الموبقات، كما هو مذهب الجماهير، والله أعلم [4] .
قال تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 17] .
(1) انظر: تفسير ابن سعدي 360.
(2) ص 299 برقم 2648، كتاب الجهاد، باب في التولي يوم الزحف، وأخرجه الحاكم (2/ 357) برقم (3262) ، وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (2/ 502) برقم (2306) .
(3) يعني حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - المخرج في الصحيحين أنه قال:"اجتنبوا السبع الموبقات". قيل: يا رسول الله، وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» رواه البخاري ص 523 برقم (2766) ، كتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ .... } ، ومسلم ص 63، برقم (89) ، كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه.
(4) تفسير ابن كثير (2/ 295) .