يقول - تعالى ذكره - للمؤمنين به وبرسوله، ممن شهد بدرًا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتل أعداء دينه معه من كفار قريش: فلم تقتلوا المشركين، أيها المؤمنون أنتم، ولكن الله قتلهم، وأضاف جل ثناؤه قتلهم إلى نفسه، ونفاه عن المؤمنين به، الذين قاتلوا المشركين، إذ كان جل ثناؤه هو مسبب قتلهم، وعن أمره كان قتال المؤمنين إياهم، وكذلك قوله لنبيه - عليه السلام: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} .
فأضاف الرمي إلى نبي الله، ثم نفاه عنه، وأخبر عن نفسه أنه هو الرامي، إذ كان جل ثناؤه هو الموصل المرمي به إلى الذين رُموا به من المشركين، والسبب الرمية لرسوله [1] .
روى ابن جرير والبيهقي عن ابن عباس والأموي عن ثعلبة بن صعير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يا رب إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدًا» .
فقال له جبريل: خذ قبضة من تراب فارم بها في وجوههم، فما بقي من المشركين من أحد إلا وأصاب عينيه ومنخريه وفمه، فولوا مدبرين، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «احملوا» ، فلم تكن إلا الهزيمة، فقتل الله من قتل من صناديدهم، وأسر من أسر، وأنزل الله عز وجل: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} .
قال ابن عقبة وابن عائذ: فكانت الحصباء عظيمًا شأنها، لم تترك من المشركين رجلًا إلا ملأت عينيه، وجعل المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، وبادر كل رجل منهم منكبًا على وجهه، لا يدري أين يتوجه، يعالج التراب ينزعه من عينيه [2] .
قال تعالى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 19] .
"يقول تعالى: إن تطلبوا أيها الكفار من الله أن يوقع بأسه وعذابه على المعتدين الظالمين، فقد أجاب الله طلبكم، حين أوقع الله بكم من عقابه ما كان نكالًا لكم، وعبرة للمتقين {وإن تنتهوا} أيها الكفار عن الكفر بالله ورسوله وقتال نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - {فهو خير} في دنياكم وأخراكم، وإن تعودوا إلى الحرب وقتال محمد - صلى الله عليه وسلم - وقتال أتباعه المؤمنين، نعد بهزيمتكم كما هزمتم يوم بدر، ولن تغني"
(1) انظر: تفسير ابن جرير (6/ 202) .
(2) سبق تخريجه ص 42.