الأمريكيون، الذين كانوا يعاملون بحذر فائق، بأن أي اتفاق سوف يتطلب جهدا خارقا. كان المفاوضون الإسرائيليون، المشبعون بتقاليد التلمود، يقلبون كل وثيقة بحنكة وذهن حاد، سعيدين باكتشاف ظلال معان مبهمة ربما يكون قد فاتنا إدراكها. بدا أن خوفهم الأكبر، الذي يثير عادة توازننا العاطفي، هو أنهم سوف يتهمون من قبل جمهورهم المتطلب و الحاد بأنهم خدعوا من قبل حلفائهم الأمريكيين، ولم يكن في نيتهم إنهاء الأمر إلى أن بخلو أنفسهم من أقل احتمال بتوجيه اللوم لهم متسببين بإصابة محاوريهم الأمريكيين بالإرهاق النفسي والجسدي.
كان هناك أمر بطولي ومفجع ما في مثل هذا التصلب الكبير: بطولي لأن الاستغراق الذاتي الذي لا يخمدا فقط بل يمكنه أن يحول الاتكال التام إلى إصرار جريء: ومفجع لأن الجرأة بالكاد غلفت الرعب الخفي من خشية أن يكون على هذا الجيل من اليهود، من خلاله أخطائه أو على الأرجح - من خلال حماقة وقصر نظر الحلفاء، منابعة مسلسل الكوارث التي أصابت التاريخ اليهودي بلعنتها، لم يتجرأ المفاوضون الإسرائيليون بالإقرار بأكثر ما كانوا يخشونه: أن الولايات المتحدة فد سحرها وجود قائد عربي جديد معتدل له کاريزما فيادية خاصة، وأن إسرائيل، من خلال العملية، ستصبح مخلبا في استراتيجية الحرب الباردة الأمريكية وستخسر مرساها العاطفي التقليدي في الولايات المتحدة.
على العكس، بدا أن القادة المصريين قد نشربوا على الأقل بعض إيقاع الأبدية الضمني من خلال التاريخ الطويل لبلدهم، ربما خسرت مصر كل حروبها مع إسرائيل، لكنها كانت بشكل غريز? مدركة أن بقاءها لم يكن مهددا قط، فقد كانت الأراضي المصرية أوسع بكثير من أن تغزوها إسرائيل، ويبلغ تعداد سكان القاهرة وحدها ما يقارب ضعفي عدد سكان كل إسرائيل. فكل ما تحتاجه مصر كان نصرا واحدا، فيما كانت إسرائيل تعترض وجودهاداته للخطر بهزيمة واحدة. يمكن لمصر أن تعطي هامشة من الكرم، بينما إسرائيل، المتمسكة بحافة البقاء. كانت ملزمة أن تنظر إلى أي نداء للكرم من جانبها كدعوة لكارثة
كان قادة مصر - ولاسيما والسادات أقل انهماكا بالتلاعب بالألفاظ وبالثغرات القانونية كما كانوا راغبين أكثر في المقامرة على العلاقات الشخصية والتطور التاريخي غير الملموس بالنسبة لهم، كانت الدبلوماسية تعني توازن الالتزامات العاطفية. كانت النزعة الرومانسية نقطة ضعف العرب الكبرى، لم يكن من السهل دائما معرفة إن كان المحاور يلقي شعرا ملحميا أم تقويما واقعيا للموقف المدروس، مما قادهم إلى مسفر البحث عن دقة بالغة كانت تفقد أحيانا اتصالها بالواقع، كان مطلب العرب الكرامة والشرف، ومطلب الإسرائيليين الأمن والبقاء
وفيما ركز المفاوضون على بحث الأحداث الجارية المختلفة، برهنت الفرق التقنية المساندة على أن مهمتها تقصم الظهر باستمرار. كنا نقوم أحيانا بجولات مكوكية مرتين في يوم واحد، وقد عمل معي