كما أن العلم بكيفية صفات الله - عز وجل - منتفٍ عقلا؛ وذلك أن كيفية الشيء لا تُعلَم ولا تعرف إلا بأحد طرق ثلاث: إما رؤية هذا الشيء، أو رؤية مثيله، أو الخبر الصادق، فلو أخبرنا إنسان أو سمعنا عن مدينة من المدن فكيف نعرف كيفية هذه المدينة؟ إما أن نشاهدها، أو نشاهد مثيلها إن كان لها مثيل، عند ذلك يمكن أن يتصور الإنسان كيفية هذه المدنية لما يقال: هذه المدينة مثل هذه المدينة التي رأيت، يكون عنده تصور ومعرفة لكيفية هذه المدينة، طيب إذا لم يتيسر هذا ولا ذاك يأتيك صادق ويخبرك عن كيفية هذه المدينة: تفاصيلها طرقها أنهارها، أشجارها سكانها، فإذا لم يأت صادق خلاص انتفى العلم بكيفية هذه المدينة، ولله المثل الأعلى.
فهل أحد من الخلق رأى الله - عز وجل - أو رأى شيئا من صفاته؟ الجواب: لا، إذن الطريق الأول مسدود، تعذر الوصول عن طريقه، حتى الأنبياء؟ حتى الأنبياء، حتى الملائكة؟ حتى الملائكة، النبي - صلى الله عليه وسلم - أكرم وأعز الخلق وبلغ درجة لم يبلغها أحد من الخلق قاطبة ليلة الإسراء، ومع ذلك لما سأله أبو ذر: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه وفي رواية , حال بيني وبينه النور - والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: واعلموا أن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت - فرؤية الله - عز وجل - في الدنيا متعذرة.
ولهذا لما سألها موسى ماذا قال الله - عز وجل - { رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ } (1) إن قَوِيَ هذا الجبل لرؤتي فسترى { فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا } (2)
(1) - سورة الأعراف آية: 143.
(2) - سورة الأعراف آية: 143.