فهرس الكتاب

الصفحة 212 من 612

فعُلم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، وكيف يجوز مع هذا أن يكون ما أخبر به من الصفات ليس كما أخبر به، وما أخبر به من المعاد هو على ما أخبر به؟ .

ــــــــــــــــــــــ

وهذا فيه إلزام لهؤلاء المؤولة الذين أنكروا على الفلاسفة تأويل نصوص المعاد، الشيخ يقول: معلوم بالاضطرار أن الكتب الإلهية جاءت فيما يتعلق بصفات الله - عز وجل - أضعاف أضعاف ما تضمنته من نصوص اليوم الآخر، بل إن مشركي العرب منهم من أنكر كما حكى الله - عز وجل - عنهم في القرآن، أنكر المعاد، لكن لم ينقل عنهم أنهم أنكروا شيئا من الصفات.

يقول الشيخ: وعلى ذلك يُعلَم أن إقرار العقول بالصفات أعظم من إقرارها بالمعاد؛ لأننا وجدنا طوائف كثيرة تنكر المعاد ولم تنكر الصفات، وأن إنكار المعاد أعظم من إنكار الصفات، فإذا جاز تأويل نصوص الصفات فمن باب أولى يجوز تأويل نصوص المعاد، هذا من باب الإلزام لهؤلاء المؤولة، نعم.

وأيضا فقد عُلم أنه - صلى الله عليه وسلم - قد ذَمَّ أهل الكتاب على ما حرفوه وبدلوه، ومعلوم أن التوراة مملوءة من ذكر الصفات، فلو كان هذا مما حُرّف وبُدل لكان إنكار ذلك عليهم أولى، فكيف وكانوا إذا ذَكروا بين يديه الصفات يضحكون تعجبا منه وتصديقا، ولم يعبهم قط بما تعيب النفاة لأهل الإثبات مثل ألفاظ التجسيم والتشبيه ونحو ذلك، بل عابهم بقوله: { يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ } (1) وقولهم: { إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ } (2) وقولهم: استراح لخلق لما السماوات والأرض فقال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) } (3) والتوراة مملوءة من الصفات المطابقة للصفات المذكورة في القرآن والحديث، وليس فيها تصريح بالمعاد كما في القرآن، فإذا جاز أن نتأول الصفات التي اتفق عليها الكتابان فتأويل المعاد الذي انفرد به أحدهما أولى، والثاني مما يعلم بالاضطرار من دين الرسول

(1) - سورة المائدة آية: 64.

(2) - سورة آل عمران آية: 181.

(3) - سورة ق آية: 38.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت