وروى هو أيضا وابن أبي حاتم أن هشام ابن عبيد الله الرازي صاحب محمد بن الحسن قاضي الري حبس رجلا في التجهم فتاب، فجيء به إلى هشام ليطلقه، فقال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه هشام فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري"ما بائن من خلقه"، فقال: ردوه إلى الحبس فإنه لم يتب.
وروى أيضا عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق، وقد أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا، لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي ردئ ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقدار والأنتان.
ــــــــــــــــــــــ
إذن لا بد من إثبات العلو وإثبات أن الله بائن من الخلق، والعلماء جاءوا بهذه اللفظة"بائن"للرد على الجهمية الحلولية الذين زعموا أن الله مختلط وممتزج بالخلق؛ ولهذا هذا الرجل قال: الحمد لله على التوبة، فامتحنه محمد بن الحسن -رحمه الله - صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة مائة وتسعة وثمانين، قال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه لكن ما أدري"ما بائن من خلقه"فقال: ردوه إلى السجن، إلى الآن ما تاب، فلا بد أن تعتقد أن الله بائن بمعنى: منزه أن يختلط بالخلق، نعم.
وروى أيضا عن ابن المديني لما سُئل ما قول أهل الجماعة قال: يؤمنون بالرؤية والكلام، وأن الله فوق السماوات على العرش استوى، فسئل عن قوله -تعالى: { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } (1) فقال: اقرأ ما قبلها: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } (2) .
ــــــــــــــــــــــ
(1) - سورة المجادلة آية: 7.
(2) - سورة المجادلة آية: 7.