وعن الأصمعي قال: قدمت امرأة جهم فنزلت الدباغين، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود، وقال الأصمعي: كافرة بهذه المقالة.
ــــــــــــــــــــــ
نعم، قول الأصمعي هنا: إن امرأة جهم قدمت فنزلت الدباغين،"الدباغين"هذا لعله موضع.. مكان، فقال رجل عندها: الله على عرشه، فقالت: محدود على محدود، كأنها تنكر استواء الله على عرشه، فمعنى قولها أنه يلزم من إثبات الاستواء أن يكون الله محدودا على محدود.
فالأصمعي قال: كافرة بهذه المقالة، بأي مقالة؟ بإنكار هذه الصفة، قولها:"محدود على محدود": الحد في الواقع من الألفاظ المجملة التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة لا بنفي ولا بإثبات؛ ولهذا روي عن بعض الأئمة إثبات ذلك، وروي عن بعضهم نفي ذلك، فروي عن الإمام أحمد إثبات الحد، وروي عنه نفي الحد، كذلك ممن روي عنه إثبات الحد الدارمي وابن المبارك.
فمن أطلق الحد على الله - عز وجل - وأراد بالحد ما يتميز به الشيء عن غيره فهذا المعنى صحيح، والعلماء الذين أطلقوا على الله الحد أرادوا الرد على الجهمية الذين قالوا: إن الله مختلط ممتزج بعباده، فقالوا: لا، الله له حد يتميز به عن خلقه، منفصل مباين عن الخلق، غير مختلط كما يزعم الجهمية
أما من أراد بالحد: أن الله - عز وجل - يحيط به شيء من مخلوقاته فلا شك أن نفي الحد بهذا المعنى هو الصحيح؛ ولهذا الإمام أحمد نفى الحد بهذا المعنى وأثبت الحد بالمعنى الآخر التميز؛ أن الله متميز عن خلقه مباين لخلقه منفصل عن الخلق عال على الخلق سبحانه وتعالى، أما الجهمية فلا.
ولهذا الدارمي يقول: علمتُ مرادك أيها الأعجمي -يعني: بشر المريسي- لمّا نفيت عن الله الحد، تريد أن الله ممتزج بالخلق، فأنكر عليه نفي الحد بهذا المعنى.