هؤلاء نفوها؛ حتى أفضى بهم هذا الأمر إلى إبطال ما أثبته الله, هم -لا شك- لا يصرحون بالنفي؛ وإنما يلبثون هذا النفي باسم آخر؛ وهو التأوليل, أو التنزيه؛ لكن حقيقة الأمر.. هو إبطال دلالة هذا النص, صرف لهذا النص عن معناه الذي أراد الله وأراد رسوله إلى معنى آخر.
الطرف الآخر غلا في الإثبات, حققها, قال: لا. أنا أثبت لله الوجه, أثبت لله اليدين, أثبت لله القدم, أثبت لله الغضب؛ لكني لا افهم وجها, ولا يدين, ولا غضب؛ إلا من جنس غضب المخلوق, ووجه المخلوق, ويد المخلوق. إذن.. فيد الله كيد المخلوق -تعالى الله عن ذلك علو كبيرا-, وهذا مذهب من؟ المشبهة, ويكثر مذهب التشبيه عند الرافضة.
ومن أوائل من قال بمذهب التشبيه: هشام بن الحكم الرافضي, وهشام بن سالم الجواليقي, وداود الجواربي.
وممن -أيضا- يكثر عندهم مذهب التشبيه: غلاة الصوفية؛ ولهذا يزعمون أنهم يصافحون الله, ويعانقونه, ويسامرونه, ويجالسونه -تعالى الله عن ذلك علو كبيرا-.
إذًا.. مذهب التشبيه يكثر عند هاتين الطائفتين.
ثم قال: وإنما القصد.. العدل في السلوك, في سلوك الطريقة السليمة بين الأمرين. بمعنى: العدل. أن يتوسط الإنسان بين التشبيه, وبين التعطيل. يثبت, وينزه.
ينزه؛ لكن لا يغلو في التنزيه, فيفضي به هذا التنزيه إلى الخروج لمذهب المعطلة, فينفي ما أثبته الله.
ويثبت؛ لكن لا يغلو في الإثبات, فيفضي به هذا الأمر إلى تشبيه الخالق بالمخلوق, كما هي الحال عند المشبه.