ثم ذكر أن هذا الأثر نقله جماعة عن الفضيل بن عياض, منهم: الإمام البخاري: محمد بن إسماعيل, صاحب"الصحيح"في كتابه"خلق أفعال العباد", وهذا الكتاب طبع عدة طبعات, وأيضا نقله شيخ الإسلام -يعني- أبا إسماعيل الهروي, صاحب"منازل السائرين"في إسناده في كتابه"الفاروق", وقلت لكم بالأمس: أن هذا الكتاب لا يزال -أيضا- مفقودا, وينقل عنه الأئمة كثيرا. نعم. قول الفضيل: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أؤمن برب يفعل ما يشاء. وهذا ما حصل -أيضا- مع أحد القدرية النفاة, وأظنه القاضي عبد الجبار, لما دخل في مجلس الخليفة, وقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء. ففهم منه الإمام -أظنه- الاسفراييني, فهم أنه أراد بهذه الكلمة نفي أن الله يخلق أفعال العباد, نفي عموم مشيئة الله, نفي عموم خلق الله -عز وجل-؛ لأنه بزعمه أن الله إذا خلق فعل العبد, وحاسبه عليه؛ يكون ظالم له, فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء.
مباشرة رد عليه أبو إسحاق الاسفراييني, فقال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء, يعني: كأنك تريد أيها القدري.. أن العبد هو الذي يخلق فعل نفسه, بمعنى: أنه يخلق أمر لا يستطيع الله - عز وجل - عليه, ويقع في ملك الله ما لا يريده الله -عز وجل-؛ لأنه على حد قول هذا القدري أن الله - عز وجل - لا يريد كفر الكافر, والعبد أراد كفر نفسه, فغلبت أي الإرادتين -على حد قول القدري-؟ غلبت إرادة العبد إرادة الرب -سبحانه وتعالى-؛ ولهذا مباشرة رد عليه قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء. نعم.
كلام عمرو بن عثمان المكي في الصفات
التحذير من وسوسة الشيطان بالتشكيك في توحيد الله أو صفاته