وقوله: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) } (1) هذا تقدم الكلام عليها مرارا, أن القرب -هنا- قرب الملائكة؛ ولعل الحارث المحاسبي يميل -أيضا- إلى أن القرب في هذه الآية قرب الرب -سبحانه وتعالى-.
وقوله تعالى: { وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ } (2) أيضا كقوله: { وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ } (3) بمعنى: أن الله هو المعبود في السماوات وفي الأرض, نعم. وأما قوله: { مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ } (4) هذه مسألة المعية, وسيتكلم عليها المؤلف استقلالا في نهاية الكتاب, فنرجئ الكلام عليها هنا, نعم.
نفي حلول الله تعالى بشيء من خلقه أو اتحاده به
واعلم أن هذه الآيات ليس معناها: أن الله أراد الكون بذاته, فيكون في أسفل الأشياء, أو ينتقل فيها لاستفالها, ويتبعض فيها على قدرها, ويزول عنها عند فنائها -جل وعز عن ذلك-. وقد نزع بذلك بعض أهل الضلال, فزعموا أن الله تعالى في كل شيء بنفسه كائنا كما هو في العرش, ولا فرق بين ذلك عندهم, ثم أحالوا في النفي بعد تثبيت ما يجوز عليه في قولهم ما نفوه؛ لأن كل من نثبت شيئا في المانع ثم نفاه بالقول لم يغن عنه نفيه بلسانه, واحتجوا بهذه الآيات, أن الله -تعالى- في كل شيء بنفسه كائنا, ثم نفوا معنى ما أثبتوه, فقالوا: لا كالشيء في الشيء.
ــــــــــــ
(1) - سورة ق آية: 16.
(2) - سورة الأنعام آية: 3.
(3) - سورة الزخرف آية: 84.
(4) - سورة المجادلة آية: 7.