ولهذا ذكر الأثرين عن ابن مسعود وسلمان أنهما قالا:"كل منه وعليه التبعة". طيب من كان ماله مختلط يعني فيه حلال وفيه حرام، فيه ربا وفيه غير ربا نعم، فهل يؤكل طعامه؟ المسألة خلافية، ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن كان أكثر ماله حراما فينبغي اجتنابه، على خلاف بينهم هل هذه الكراهة للتحريم أو للتنزيه، وهذا مروي عن الإمام الشافعي والإمام أحمد، وأما إن كان أكثر ماله حلالا جاز أكل طعامه والتعامل معه، وذهب الزهري ومكحول إلى أنه لا بأس أن يؤكل منه ما لم يُعرف أنه حرام بعينه، إذا عرفت أن هذا نعم الذي قُدَّم لك هو الحرام أو من الكسب الحرام بعينه فلا يجوز، فإن لم يعرف في ماله الحرام بعينه ولكن علم أن فيه شبهة فلا بأس بالأكل منه، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد برواية عنه.
وذهب إسحاق بن راهويه والحسن البصري وابن سيرين إلى ما روي عن ابن مسعود وسلمان في الرخصة مطلقا، وهذا ما أفتى به فضيلة شيخنا الشيخ محمد بن عثيمين -رحمه الله-؛ وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل من مال اليهود، أكل طعامهم وقَبِل دعوتهم، وأكثر أموالهم -كما ذكر الله - عز وجل - عنهم- أكثر أموالهم من الربا، نعم أموالهم هذه مختلطة، لكن كثير فيها من الربا، فالصحيح أن الإنسان يأكل كما قال سلمان وكما قال ابن مسعود:"كل منه وعليه التبعة". لك مغنمه وعليه مغرمه، نعم.
عدم سقوط الخوف والرجاء عن العبد
وأن مما نعتقده أن العبد ما دام أحكام الدار جاريةً عليه فلا يسقط عنه الخوف والرجاء، وكل من ادعى الأمن فهو جاهل بالله، وبما أخبر به عن نفسه قال تعالى: { فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) } (1) وقد أفردت كشف عوار كل من قال بذلك.
ــــــــــــ
(1) - سورة الأعراف آية: 99.