وذكر في الكلام السابق أن هذا هو الأولى، هنا يقول: درج أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ترك التعرض لمعانيها، إن كان يقصد ترك المعاني من جهة التكييف فهذا حق، فالصحابة رضي الله عنهم لم يتعرضوا لكيفية الصفات، ولم يحاولوا أن يبحثوا في هذه المسألة؛ لأنهم علموا أن هذا مما استأثر الله بعلمه ولا يمكن أن يدرك بالعقل المجرد، أما إن أراد أنهم تركوا التعرض لمعانيها؛ بمعنى أنهم كانوا يقرءون هذه النصوص ويسمعون هذه النصوص كأنها ألفاظ أعجمية لا يفقهون منها شيئا؛ فحاشا وكلا، وأنهم يفوضون المعنى على المذهب الباطل؛ الذي يزعم بعض المتكلمين أنه مذهب الصحابة.
التفويض تفويض المعاني؛ بمعنى أنهم لا يعرفون معنى قوله سبحانه: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ } (1) ولا يعرفون معنى: { لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ } (2) بل يفوضون معنى هذا النص إلى الله، فهذا قول باطل ولا يسلم لقائله؛ بل ينزه الصحابة وينزه كلام الله - عز وجل - عن أن يكون منه ما لا يفهم معناه، وهذا سيأتي بيانه إن شاء الله.
(ودرك ما فيها) يعني معرفة كنه وحقيقة هذه الصفات، (وهم صفوة الإسلام والمستقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهدا) أي لا يقصرون ولا يدعون جهدا (في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها) ، بمعنى أنهم كانوا أحرص الناس على تبليغ شرع الله - عز وجل - لمن بعدهم، فإن الله - عز وجل - ائتمنهم على حفظ دينه فأدوا هذه الأمانة على أتم وأعلى الوجوه، أدوا هذا الشرع كما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير زيادة ولا نقصان.
(1) - سورة الرحمن آية: 27.
(2) - سورة ص آية: 75.