إذا كانوا حرصوا يبلغون الأمة حركة إصبع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، وحرصوا أن يبلغوا الأمة وينظروا للأمة اضطراب حركة لحيته في الصلاة، ونقلوا للأمة كيف كان يقضي حاجته - صلى الله عليه وسلم - وكيف كان ينام، بل نقلوا للأمة أنه لما انتقل من مزدلفة إلى عرفة وقف في أثناء الطريق ونقض وضوءه وتوضأ، نقلوا الحركات والسكنات، نقلوا حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - العلمية والعملية كاملة، فلو كان هذا التأويل سائغا أو متحتما لكان اهتمامهم به أعظم من اهتمامهم بفروع الشريعة؛ لأن هذا متعلق بماذا؟ متعلق بأهم المهمات متعلق بالعقيدة متعلق بالتوحيد متعلق بالشيء الذي يترتب عليه السعادة الحقيقة للمسلم في الدنيا والآخرة، يعني كون المسلم يجهل بعض أحكام الوضوء أو يجهل بعض أحكام الصلاة أو بعض أحكام الزكاة أو بعض أحكام البيع أو بعض أحكام النكاح أهون من أن يجهل مسألة واحدة من مسائل أصول الدين، فكيف يقول عاقل: إن الصحابة تركوا تأويل هذه النصوص لأن هذا كلامهم موجود؟ ما نقل عن واحد منهم أنه أول نصا واحدا من نصوص الصفات، فلو كان هذا هو المتحتم وهذا هو الواجب لبادروا إليه كما بادروا لتبليغ سائر أحكام الشرع؛ بل أعظم مما بادروا لتبليغ سائر أحكام الشرع.
(أو يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل) فهذا كلامهم منقول مبسوط في دواوين السنة، في مصنفات الأئمة، وكذلك كلام التابعين لم ينقل عن شخص واحد منهم أنه قال: إن معنى قول الله - عز وجل - { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } (1) ثم استولى على العرش،
(1) - سورة الأعراف آية: 54.