نعم. معلوم أن جمهور أهل الكلام عندهم قانون اتفقوا عليه، وهو أنه إذا تعارض النقل مع العقل قدموا العقل، إذا تعارض الدليل النقلي مع الدليل العقلي، قدموا الدليل العقلي، وهذا هو واقعهم فيما يتعلق ما يجب لله - عز وجل - وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه، لم يرفعوا بدلالة الكتاب والسنة رأسا,
بل معولهم في ذلك على أيش؟ على ما يزعمونها الأدلة العقلية، ما نحتته عقولهم؛ ولهذا يقول الشيخ: فإن حقيقة الأمر على ما يقوله هؤلاء: إنكم يا معشر العبّاد -أي: يا معشر المسلمين- لا تطلبوا معرفة الله - عز وجل - وما يستحقه من الصفات نفيا وإثباتا لا من الكتاب ولا من السنة، إذن من أي شيء؟ من عقولكم؛ ولهذا مما أُورِد عليهم، قيل لهم: ما هو العقل الميزان في هذا الأمر؟ هل هو عقل ابن سينا، أو قبله أرسطو أو الفارابي، أو الرازي أو القاضي عبد الجبار، أو ابن حسين البصري، عقل من؟ من نزن بعقله ما يجب لله عز وجل؟
ولهذا صار من أكثر الناس اختلافا وتفرقا هم هؤلاء المعطلة -أهل الكلام-، لماذا؟ لأنهم اعتمدوا على عقولهم وليس عندنا عقل واحد، إذا كانت العقول تتباين في أمور بسيطة، أحيانا في أمور دنيوية، فما الظن إذا حُكّمت هذه العقول في أمور غيبية؛ ولهذا لاحظوا المعتزلة فرقة واحدة أو فرق؟ بدأت فرقة واحدة ثم بدأت تتفرق على نفسها، كلٌّ يقول قولا ويختط رأيا ومنهجا ويذهب إليه، وبعضهم يكفر بعضا؛ الخوارج فرق شتى، الجهمية فرق شتى، المرجئة فرق شتى، الرافضة فرق شتى، والسبب أن المصدر متعدد، المصدر العقل.