فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 291

-الشرعي أو خفي الأمر الشرعي لا يكون الامتثال والرضا والمحبّة، كما يكون في الأمر الشرعي، وإن كان ذلك مقدورا. وهذا موضع يغلط [في نسخة: غلط] فيه كثير من خاصّة السّالكين وشيوخهم، فضلا عن عامّتهم ويتفاوتون في ذلك بحسب معرفتهم بالأمر الشرعيّ وطاعتهم له. فمنهم من هو أعرف من غيره بالأمر الشرعي وأطوع له، فهذا تكون [في نسخة: يكون] حاله أحسن ممّن يقصر [في نسخة: نقص] عنه في المعرفة بالأمر الشرعي والطاعة له. ومنهم من يبعد عن الأمر الشرعي، ويسترسل حتّى ينسلخ من الإسلام بالكليّة، ويبقى واقفا مع هواه والقدر. ومن هؤلاء من يموت كافرا، ومنهم من يتوب الله عليه، ومنهم من يموت فاسقا، ومنهم من يتوب الله عليه. وهؤلاء ينظرون إلى الحقيقة القدرية معرضين عن الأمر الشرعي، ولا بدّ مع ذلك من اتّباع أمر ونهيّ غير الأمر الشرعي، إمّا من أنفسهم، وإمّا من غير الله ورسوله، إذ الاسترسال مع القدر مطلقا ممتنع لذاته، لمّا تقدّم من أن العبد مفطور على محبة أشياء وبغض أشياء. وقول من قال [هو الإمام الغزالي، وأيضا قول الشيخ عبد القادر كما في هذا الكتاب] : «إن العبد يكون مع الله كالميت مع الغاسل» لا يصحّ ولا يسوّغ على الإطلاق عند [في نسخة: عن] أحد من المسلمين، وإنما يقال ذلك في بعض المواضع، ومع هذا فإنما ذلك لخفاء أمر الله عليه، وإلا فإذا علم ما أمر الله به وأحبه، فلا بد أن يحبّ ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله.

فصل: وكما أن الطريقة العلمية بصحّة النظر في [في نسخة: من] الأدلة والأسباب هي الموجبة للعلم: كتدبّر القرآن والحديث. فالطريقة العملية بصحّة الإرادة والأسباب هي الموجبة للعمل، (كعمارة الباطن بالمراقبة، والخوف من الله على كلّ حال) . ولهذا يسمّون السالك في ذلك: المريد. كما يسميه أولئك: الطالب. والنظر جنس تحته حقّ وباطل، ومحمود ومذموم، وكذلك الإرادة. فكما أن طريق العلم لا بدّ فيه من العلم النبوي الشرعي، بحيث يكون معلومك المعلومات الدينية النبوية، ويكون علمك بها مطابقا لما أخبرت به الرسل، وإلا فلا ينفعك أي معلوم علمته، ولا أيّ شيء اعتقدته فيما أخبرت به الرّسل، بل لا بدّ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فكذلك الإرادة لا بدّ فيها من تعيين المراد: وهو الله. والطريق إليه: وهو ما أمرت به الرّسل. فلا بدّ أن تعبد الله وتكون عبادتك إيّاه بما شرع على ألسنة رسله، إذ لا بدّ من تصديق الرسول فيما أخبر علما، ولا بدّ من طاعته فيما أمر عملا.

ولهذا كان الإيمان قولا وعملا مع موافقة السنة، فالعلم [في نسخة: فعلم] الحق ما وافق علم الله، والإرادة الصالحة ما وافقت محبة الله ورضاه، وهو حكمه الشرعي، وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) [النساء:26] .

فالأمور الخبرية لا بدّ أن تطابق علم الله وخبره، والأمور العملية لا بدّ أن تطابق حبّ الله وأمره. فهذا حكمه، وذاك علمه. وأما من جعل حكمه مجرّد القدر، كما فعل صاحب منازل السائرين، وجعل مشاهدة العارف الحكم يمنعه أن يستحسن حسنة أو يستقبح سيئة. فهذا فيه من الغلط العظيم ما قد نبّهنا عليه في غير هذا الموضع. فلا ينفع المريد القاصد أن يعبد أيّ معبود كان، ولا أن يعبد الله -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت