فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 291

-بأيّ عبادة كانت، بل هذه طريقة المشركين المبتدعين الذين لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (21) [الشورى:21] . كالنصارى ومن أشبههم من أهل البدع الذين يعبدون غير الله بغير أمر الله. وأما أهل الإسلام والسنة: فهم يعبدون الله وحده، ويعبدونه بما شرع، لا يعبدونه بالبدع إلا ما يقع من أحدهم خطأ.

فالسالكون طريق الإرادة قد يغلطون تارة في المراد، وتارة في الطريق إليه، وتارة يألّهون [في نسخة: يتألهون] غير الله، بالخوف منه، والرجاء له، والتعظيم والمحبة له، وسؤاله والرغبة إليه. فهذا حقيقة [في نسخة: فهذا من] الشرك المحرم، فإن حقيقة التوحيد أن لا يعبد [في نسخة: تعبد] إلا الله.

والعبادة تتضمّن كمال الحب، وكمال التعظيم، وكمال الرجاء والخشية والإجلال [في نسخة: والجلال] والإكرام.

والفناء في هذا التوحيد: هو فناء المرسلين وأتباعهم، وهو: أن تفنى بعبادته عن عبادة ما سواه، وبطاعته عن طاعة ما سواه، وبسؤاله عن سؤال ما سواه، وبخوفه عن خوف ما سواه، وبرجائه عن رجاء ما سواه، وبحّبه والحبّ فيه عن محبّة ما سواه والحبّ فيه.

وأما الغالطون في الطريق: فقد يريدون الله، لكن لا يتّبعون الأمر الشرعيّ في إرادته، لكن تارة يعبده أحدهم بما يظنّه يرضيه، ولا يكون كذلك. وتارة ينظرون إلى القدر لكونه مراده، فيفنون في القدر الذي ليس لهم فيه غرض. وأما الفناء المطلق فيه فممتنع. وهؤلاء يفنى [في نسخة: يبقى] أحدهم متبعا لذوقه ووجده المخالف للأمر الشرعي، أو ناظرا إلى القدر. وهذا يبتلى به كثير من خواصّهم.

والشيخ عبد القادر ونحوه من أعظم مشايخ زمانهم: آمرا بالتزام الشرع، والأمر والنهي، وتقديمه على الذوق والقدر، ومن أعظم المشايخ أمرا بترك الهوى والإرادة النفسية. فإن الخطأ في الإرادة من حيث هي إرادة إنما تقع [في نسخة: يقع] من هذه الجهة، فهو يأمر السالك أن لا تكون له إرادة من جهة هواه أصلا، بل يريد ما يريده الرب عزّ وجلّ: إما إرادة شرعيّة إن تبيّن له ذلك، وإلا جرى مع الإرادة القدرية، فهو إما مع أمر الرب، وإما مع خلقه، وهو سبحانه {لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54] .

وهذه طريقة شرعية [في نسخة: شريفة] صحيحة إنما يخاف على صاحبها من ترك إرادة شرعية لا يعلم أنها شرعية، أو من تقديم إرادة قدرية على الشرعية، فإنه إذا لم يعلم أنها شرعية [في نسخة: يعلم الشرعية] فقد يتركها، وقد يريد ضدّها، فيكون ترك مأمورا، أو فعل محظورا، وهو لا يعلم. فإن طريقة الإرادة يخاف على صاحبها من ضعف العلم، وما يقترن بالعلم من العمل، والوقوع في الضلال، كما أن طريقة العلم يخاف على صاحبها من ضعف العمل، وضعف العلم الذي يقترن بالعمل، لكن {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلّا وُسْعَها} [البقرة:286] من هذا وهذا. قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ، فإذا تفقّه السّالك، وتعلّم الأمر والنّهي بحسب اجتهاده، وكان علمه -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت