فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 291

-وإرادته بحسب ذاك، فهذا مستطاعه.

وإذا أدّى الطالب ما أمر به، وترك ما نهي عنه، وكان علمه مطابقا لعمله، فهذا مستطاعه. وقال ابن قيّم الجوزية في عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص 19 - ) : الصبر باعتبار متعلّقه ثلاثة أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها. وهذه الأنواع الثلاثة هي التي قال فيها الشيخ عبد القادر في فتوح الغيب: لا بدّ للعبد من أمر يفعله، ونهي يجتنبه، وقدر يصبر عليه. وهذا الكلام بطرفين: طرف من جهة الرب تعالى، وطرف من جهة العبد. فأما الذي من جهة الرب: فهو أن الله تعالى له على عبده حكمان: حكم شرعي ديني، وحكم كوني قدري. فالشرعي متعلّق بأمره، والكوني متعلّق بخلقه، وهو سبحانه {لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} . وحكمه الديني الطلبي نوعان بحسب المطلوب، فإن المطلوب إن كان محبوبا له، فالمطلوب فعله: إما واجبا، وإما مستحبا، ولا يتم ذلك إلا بالصبر، وإن كان مبغوضا له، فالمطلوب تركه إما تحريما وإما كراهة. وذلك أيضا موقوف على الصبر. فهذا حكمه الديني الشرعي.

وأما حكمه الكوني: فهو ما يقضيه ويقدّره على العبد من المصائب التي لا صنع له فيها، ففرضه الصبر عليها، وفي وجوب الرضا بها قولان للعلماء، وهما وجهان في مذهب أحمد، أصحّهما: أنه مستحب، فمرجع الدين كله إلى هذه القواعد الثلاث: فعل المأمور، وترك المحظور، والصبر على المقدور. وأما الذي من جهة العبد فإنه لا ينفكّ عن هذه الثلاث، ما دام مكلّفا، ولا تسقط عنه هذه الثلاث حتى يسقط عنه التكليف، فقيام عبودية الأمر والنهي والقدر على ساق الصبر لا تستوي إلا عليه، كما لا تستوي السنبلة إلا على ساقها، فالصبر متعلق بالمأمور والمحظور والمقدور بالخلق والأمر. والشيخ دائما يحوم حول هذه الأصول الثلاثة، كقوله: يا بني افعل المأمور، واجتنب المحظور، واصبر على المقدور. وهذه الثلاثة هي التي أوصى بها لقمان لابنه في قوله: {يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَامُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ} [لقمان:17] . فأمره بالمعروف يتناول فعله بنفسه وأمر غيره به، وكذلك نهيه عن المنكر، أما من حيث إطلاق اللفظ، فتدخل نفسه فيه وغيره، وأما من حيث اللزوم الشرعي، فإن الآمر الناهي لا يستقيم له أمره ونهيه حتى يكون أول مأمور ومنهي. وذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في قوله: {إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) الَّذِيْنَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20) وَالَّذِيْنَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21) وَالَّذِيْنَ صَبَرُوا اِبْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدّارِ} [الرعد:19 - 22] . فجمع لهم مقامات الإسلام والإيمان في هذه الأوصاف، فوصفهم بالوفاء بعهده الذي عاهدهم عليه، وذلك يعمّ أمره ونهيه الذي عهده إليهم بينهم وبينه، وبينهم وبين خلقه، ثم أخبر عن استمرارهم بالوفاء به بأنهم لا يقع منهم نقضه، ثم وصفهم بأنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل، ويدخل في هذا ظاهر الدين وباطنه، وحق الله، وحق خلقه، فيصلون ما بينهم وبين ربهم بعبوديته وحده، لا شريك له، والقيام بطاعته، والإنابة إليه، -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت