فهرس الكتاب

الصفحة 361 من 438

(فصل)

مما يدلّ على كذب الرافضة في هذه الدعوى، صحة ما قلناه في ثبوت القرآن والإطباق عليه، وعلمنا وعلم الكافّة من الشيعة وغيرهم بدخول عليّ عليه السّلام في الجماعة التي اتفقت على كتب المصحف وأخذ النّاس به، وإلغاء ما عداه، والتصويب لعثمان فيما صنعه من ذلك، حتى لم يحفظ عليه كلمة ولا حرف واحد في الطعن على هذا المصحف والحرف الذي اتفقوا عليه، بل روى النّاس عنه رواية ظاهرة أنّه كان يقرئ به ويعلّمه كما يقرئ به غيره، وروى ذلك عنه أبو عبد الرّحمن السّلمي وغيره: أنّه أقرأه فلم يختلف عنه في ذلك، ولا روي عنه خلاف للجماعة فيما اتفقت عليه، لا من جهة الآحاد ولا من طريق التواتر.

ولو كان من خلاف في هذا الباب أو يسير قول لوجب في مستقر العادة أن يظهر ويستفيض حتى لا يمكنه جحده وإنكاره كما ظهر عن عبد الله بن مسعود اختيار القراءة بحرفه، وكراهية نصبه وبدل كتبة المصحف، ولو كان مثل هذا قد وقع من علي والأئمة العلماء من ولده لوجب أن يكون نقله أظهر وأشهر، وأن يكون العلم به أثبت في النّفوس وألزم للقلوب بجلالة قدر عليّ وعترته، وعظيم شأنهم في النّفوس، وقد ثبت أنّ نقل كلام ممن ارتفع قدره وعظم شأنه وكثرت شيعته والاقتداء به يجب أن يكون أظهر وأكثر من نقل كلام قصر عن محلّه، وفي رجوعنا إلى أنفسنا وعلمنا بأنّه لم يرو عنه حرف واحد في هذا الباب بل رويت موافقته وتصويبه ومتابعته أوضح دليل على أنّه صلّى الله عليه كان أخذ القراءة بحرف عثمان والدّاخلين فيها عليه، ودانوا بتصويبه، ولو كان الأمر عند عليّ عليه السّلام في أمر القرآن كما يدّعيه الشّيعة من تغييره وتبديله ومخالفة نظمه الذي أنزل عليه، وإسقاط كثير منه أو الزّيادة، لم يسعه السّكوت عن إنكاره لذلك وتوقيف النّاس على تغيير كتاب الله وتبديله وتحريفه وتصحيفه ودخوله الخلل فيه، وإشاعة ذلك في شيعته والمنحرفين عنه، لأنه أحقّ من أمر بمعروف ونهى عن منكر، ولا شيء في المنكر أعظم وأفحش من تغيير الكتاب وتحريفه وإفساد نظمه وترتيبه، لأن ذلك إفساد للدّين وإبطال للشّرع، وعليّ عليه السّلام أجلّ قدرا وأرفع موضعا وأشدّ احتياطا لدينه وللأمّة من أن يتساهل في إقرار مثل هذا ويسامح نفسه به، ولو كان منه قول في ذلك لوجب أن يعلّمه على حدّ ما وصفناه من قبل.

فإن قالوا: قد نقلت الشّيعة، وببعضهم تثبت الحجّة عن مثلهم عن عليّ عليه السّلام أنّه أنكر على القوم وخالفهم وعرّفهم أن القرآن ناقص مغيّر محرّف.

قيل لهم: هذا بهت منكم وشيء وضعه قوم من غلاتكم، والقادحين في الشّريعة، وإلا فما نقل أحد من أسلاف الشّيعة في ذلك حرفا واحدا، بل نقل أنّه كان داخلا في الجماعة ومقرا بما اتفقوا عليه ومصوّبا له، وأنه كان يقرئ به ويعلّمه، وعلى ذلك الدّهماء من الشّيعة والسّواد الأعظم إلى اليوم، وبعد فما الذي قاله لهم لمّا وقّفهم على تبديل القوم وتغييرهم وما الذي عرّفهم به ممّا غيّره؟ وما الذي لقّنهم ممّا أسقطوه وكيف يمكنه أن يقول لهم: إنّ القوم حرّفوا كتاب الله وغيّروه، ولم يمكنه أن يوقّفهم على موضع التّغيير ويذكر لهم الذي ألغوه منه وكتموه، وهو لو قال لهم ذلك لكان أظهر لحجّته

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت