قرون طويلة؛ وهي في الأصل تعني: الاشتراك بين الرجل والمرأة في أمور والتفريق بينهما في أخرى؛ وذلك من كمال الشريعة وحكمتها ولطفها، حيث اقتضت مصلحة العبادات البدنية وكذا العقوبات اشتراك النساء والرجال فيها، لأن الحاجة إليها واحدة في كلا الصنفين؛ وفرق بينهما في المواضع التي تليق بالتفريق، كالجماعة والجمعة والجهاد وغير ذلك مما يكون فيه حرج ومشقة عليها. [1]
إن الحق في شريعتنا الغراء يمثل القاعدة والأساس للتشريع كله؛ وعليه فإن حقوق الإنسان في المنظور الإسلامي، هي حقوق الله الواجب الوفاء بها وأداءها على خير الوجوه من طرف كل مخلص في عبادته لله، مطيعا له قائما بتكاليف شرعه الحنيف؛ وهكذا يرتقي هذا المفهوم إلى مقام العبادة الرفيع، باعتباره في الشريعة الإسلامية واجبات دينية ومن الفروض الشرعية؛ وهي درجة من التكليف تطوق الإنسان بمسؤولية كبرى أمام ربه سبحانه وتعالى، ثم أمام نفسه ومجتمعه والإنسانية جمعاء. وإن حقوق الإنسان في الإسلام ليست حقوقا سياسية ودستورية فحسب؛ وهي ليست نتاجا فكريا يمثل مرحلة من تطور العقل الإنساني؛ وليست حقوقا طبيعية كما يعبر عنها في القانون الوضعي، بل هي من الثوابت التي يقوم عليها المجتمع الإسلامي، فهي واجبات دينية يكلف بها الفرد والمجتمع كل في نطاقه وفي حدود المسؤولية التي ينهض بها؛ وبذلك فإن الفرد يتشرب هذه الحقوق ويتكيف معها، بحيث تصبح جزءا من مكوناته النفسية والعقلية والوجدانية، من الواجب عليه المحافظة عليها وعدم التفريط فيها؛ وإلا أثم بتفريطه فيما أوجب الله عليه. [2]
ومن هنا يتبين لنا أن مجتمعا قائما على هذه الأصول الربانية، ستنعم فيه الأسرة بجميع أفرادها بالمساواة الشرعية ومن خلالها المجتمع بأكمله. لذلك نجد مثلا أن الإسلام أوجب العدل بين
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين، 3/ 417 - 420. ."ع. س"-بتصرف-؛ وانظر إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، البرهان في أصول الفقه، تحقيق: عبد العظيم الديب، عدد الأجزاء: 2، ط 1، (دولة قطر، 1399 ه) ، ص:1/ 366.
(2) عبد العزيز بن عثمان التويجري، تأملات في قضايا معاصرة، ط 1، (القاهرة: دار الشروق، 1422 هـ-2002 م) ، ص: 49 ـ 50. -بتصرف-