تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ تَفَكَّرُونَ} ؛ [1] وهي آية ثانية تعظ وتذكر بنظام الناس العام، الذي يتميز بالازدواج وكينونة العائلة وأساس التناسل.
إنه نظام عجيب ثبته الله في الجبلة لا يشذ عنه إلا الشذاذ؛"والآية تنطوي على أمور منها: أن الباري جلت قدرته جعل للإنسان ناموسا للتناسل، وجعل تناسله بالتزاوج ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه؛ وجعل أزواج الإنسان من صنفه ولم يجعلها من صنف آخر، لأن التآنس لا يحصل بصنف مخالف؛ وجعل في ذلك التزاوج أنسا بين الزوجين وجعل بينهما مودة ومحبة، حيث إنهما كانا قبل التزواج متجاهلين فأصبحا بعده متحابين؛ وجعل بينهما رحمة كرحمة الأبوة والأمومة. كما أن هذه الآية كائنة في خلق جوهر الصنفين من الإنسان: الذكر والأنثى؛ وإيداع نظام الإقبال بينهما في جبلتهما. وقد أدمج سبحانه في الاعتبار بهذه الآية الامتنان بالنعمة التي أشار إليها بقوله (لكم) أي لأجل نفعكم. وقد جعلت هذه الآيات لقوم يتفكرون، لأن التفكر والنظر في تلك الدلائل هو الذي يجلي كنهها؛ ويزيد الناظر بصارة بمنافع أخرى تتضمنها. أما قوله (لتسكنوا) فهو يتضمن معنى لتميلوا، فعدي بحرف (إلى) وإن كان حقه أن يعلق ب (عند) ونحوها من الظروف. أما المودة فهي المحبة؛ والرحمة هي صفة تبعث على حسن المعاملة. وإنما جعل في ذلك آيات كثيرة، باعتبار اشتمال ذلك الخلق على دقائق كثيرة متولد بعضها عن بعض، تجمعت وظهرت من خلال التدبر والتأمل. والظاهر من اللام في قوله (لقوم يتفكرون) ، أنه واسطة بين معنيي التمليك والتعليل". [2]
ومن هنا نستنتج أن المودة بين الزوجين، ينتج عنها حسن المعاملة الذي يستلزم العدل والمساواة بين أفراد الأسرة؛ وهي بالضبط العلاقة الوثيقة بين خلق المساواة والأسرة. وعليه فإنه لابد من المزاوجة بين الأسرة والمساواة لتكون هناك أسرة بالمعنى الحقيقي؛ وإلا فلن تكون هناك
(1) سورة الروم، الآية: 21.
(2) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 21/ 70 - 72."ع. س"-بتصرف- وانظر أصول السرخسي، باب بيان معاني الحروف المستعملة في الفقه، 1/ 200."ع. س"؛ وانظر الحسن بن قاسم المرادي، الجني الداني في حروف المعاني، تحقيق: فخر الدين قباوه ومحمد نديم فاضل، ط 1، (بيروت: 1413 ه-1992 م) ، ص: 96 - 97.