بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا، [1] فجملة:"وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن"، هي عطف على جملة"لا تدخلوا بيوت النبي"، وبالتالي فهي زيادة بيان للنهي عن دخول البيوت النبوية؛ وتحديد لمقدار الضرورة التي تدعو إلى دخولها أو الوقوف على أبوابها. والآية شارعة لحكم حجاب أمهات المؤمنين؛ وقد قيل بأنها نزلت في ذي القعدة سنة خمس. وضمير سألتموهن عائد إلى الأزواج، المفهوم من ذكر البيوت في قوله: بيوت النبي؛ فإن للبيوت رباتهن وزوج الرجل هي ربة البيت.
والحجاب هو الستر المرخى على باب البيت؛ فقد كانت الستور مرخاة على أبواب بيوت النبي صلوات الله وسلامه عليه، الشارعة إلى المسجد، فقد ورد ما يبين ذلك في حديث الوفاة؛ وذلك حين خرج النبي عليه السلام على الناس وهم في الصلاة، فكشف الستر ثم أرخى الستور؛ وقوله: من وراء حجاب، متعلق بـ (فاسألوهن) ، فهو قيد في السائل والمسئول المتعلق ضميراهما بالفعل الذي تعلق به المجرور. أما (من) ، فهي ابتدائية. والوراء: مكان الخلف وهو مكان نسبي باعتبار المتجه إلى جهة، فوراء الحجاب هو بالنسبة للمتجهين إليه، حيث أن المسئولة مستقبلة حجابها، والسائل من وراء حجابها؛ والعكس.
والإشارة بقوله: (ذلكم) هي إلى المذكور، أي: السؤال المقيد بكونه من وراء حجاب. واسم التفضيل في قوله (أطهر) ، مستعمل للزيادة دون التفضيل؛ والمعنى: ذلك أقوى طهارة لقلوبكم وقلوبهن، فإن قلوب الفريقين طاهرة بالتقوى وتعظيم حرمات الله وحرمة النبي- صلى الله عليه وسلم -؛ لكن لما كانت التقوى لا تصل بهم إلى درجة العصمة، أراد الله أن يزيدهم منها بما يكسب المؤمنين مراتب من الحفظ الإلهي من الخواطر الشيطانية؛ وذلك بقطع أضعف أسبابها؛ وبما يقرب أمهات المؤمنين من مرتبة العصمة الثابتة لزوجهن - صلوات الله وسلامه عليه -، فإن الطيبات للطيبين بقطع دابر الخواطر الشيطانية ولو بالفرض. وأيضا فإن للناس أوهاما وظنونا سوأى تتفاوت مراتب نفوس الناس فيها صرامة ووهنا؛ ووفاقا وضعفا، كما وقع في قضية الإفك في سورة النور، فكان شرع حجاب أمهات المؤمنين قاطعا لكل تقول وإرجاف أو بغير عمد. ووراء
(1) سورة الأحزاب، الآية: 53