هذه الحكم كلها حكمة أخرى سامية، ألا وهي زيادة تقرير أمومتهن الجعلية الشرعية للمؤمنين في قلوبهم، وذلك أن المعنى الجعلي الروحي وهو كونهن أمهات المؤمنين، يرتد وينعكس إلى باطن النفس؛ وتنقطع عنه الصور الذاتية وهي كونهن فلانة أو فلانة، فيصبحن بالتالي غير متصورات إلا بعنوان الأمومة؛ فلا يزال ذلك المعنى الروحي ينمى في النفوس؛ ولا تزال الصورة الحسية تتضاءل من القوة المدركة، حتى يصبح معنى أمهات المؤمنين معنى قريبا في النفوس من حقائق المجردات كالملائكة؛ وتلك إذن حكمة من حكم الحجاب الذي سنه الناس لملوكهم في القدم، ليكون ذلك أدخل لطاعتهم في نفوس الرعية.
وهكذا يتحقق معنى الحجاب لأمهات المؤمنين، المركب من ملازمتهن بيوتهن وعدم ظهور شيء من ذواتهن حتى الوجه والكفين؛ وذلك بارتباط الآية مع التي تتقدمها من قوله: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} ؛ [1] وهو حجاب خاص بهن لا يجب على غيرهن، رغم أن المسلمون كانوا يقتدون بهن ورعا، على تفاوت في ذلك حسب العادات؛ ودل قوله: (لقلوبكم وقلوبهن) بأن الأمر متوجه لرجال الأمة ولنساء النبي- عليه السلام- على السواء؛ وقد ألحق بأزواجه -عليه السلام- ابنته فاطمة (ت:11 ه) [2] ، فلذلك لما خرجوا بجنازتها جعلوا عليها قبة حتى دفنت؛ وكذلك فعل بزينب بنت جحش (ت: 20 ه) في خلافة عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- (ت: 23 ه) . [3]
هذا؛ وإن الآية تضمنت أمرين اثنين: أحدهما يتعلق بالأدب في أمر الطعام والجلوس؛ والثاني يتناول أمر الحجاب؛ وقد قال حماد بن زيد [4] ، بأنها نزلت في الثقلاء. أما بالنسبة للأمر الأول، فالصحيح في سبب نزوله كما جاء عن جمهور من المفسرين، أن رسول الله - صلى الله
(1) سورة الأحزاب، الآية: 32.
(2) انظر: الفرج جمال الدين ابن الجوزي، صفة الصفوة، تحقيق: محمود فاخوري، عدد الأجزاء: 4، ط 3، (بيروت: دار المعرفة، 1405 هـ-1985 م) ، 2/ 14.
(3) انظر: محمد الطاهر بن عاشور، التحرير و التنوير، 22/ 90 - 92."ع. س"
(4) هو حماد بن زيد بن درهم مولى آل جرير بن حازم الجهضمى، (98 ه-179 ه) . انظر أبو عبد الله إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري، التاريخ الكبير، تحقيق: هاشم الندوي وآخرون، عدد المجلدات: 9، (دار المعارف العثمانية) ، 3/ 25.