كما يصنع النبط، فيبقى النحر والعنق والأذنان لا ستر على ذلك، فأمر الله تعالى بلي الخمار على الجيوب؛ وهيئة ذلك أن تضرب المرأة بخمارها على جيبها لتستر صدرها. [1]
ثم جاءوا بحديث عائشة رضي الله عنها:"يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: وليضربن بخمرهن على جيوبهن، شققن مروطهن فاختمرن بها". ودخلت على عائشة حفصة بنت أخيها عبد الرحمن رضي الله عنه وقد اختمرت بشيء يشف عن عنقها وما هنالك، فشقته عليها وقالت: إنما يضرب بالكثيف الذي يستر. [2] وذكروا بأن الآية فيها دليل على أن الجيب إنما يكون في الثوب موضع الصدر، ثم جاءوا لكلمة الخمر ومشتقاتها بأماكن سبعة وردت في القرآن؛ وقالوا بأن المهم هنا هو أن السلف فسروا الآية بأنها نزلت تأمر بلي الخمار المنسدل على ظهر المرأة إلى الأمام لتغطية المنطقة المكشوفة من الصدر، ثم أوردوا بعد ذلك تفسير القرطبي للآية من سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} : [3] أنه لما كانت عادة العربيات التبذل، حيث كن يكشفن وجوههن كما تفعل الإماء، الشيء الذي كان يدعو إِلَى نظر الرجال إليهن وتشعب الفكرة فيهن، فأمر الله رسوله عليه السلام بأن يأمرهن بإرخاء الجلابيب عليهن إذا أردن الخروج لقضاء حوائجهن، حيث كن يتبرزن في الصحراء قبل اتخاذ الكنف ويقع بذلك الفرق بينهن وبين الإماء، فتعرف الحرائر بسترهن ويكف بذلك عن معارضتهن العزاب والشباب. فقد كانت المرأة من نساء المؤمنين قبل نزول الآية تتبرز للحاجة، فيتعرض لها بعض الفجار لظنه أنها أمة؛ وتصيح به فيذهب فشكي ذلك إلى النبي -عليه السلام-، ونزلت الآية لسببه، قال معناه الحسن وغيره؛ واستنتجوا منه بأن العلة في ذلك هي أن تعرف الحرائر من الإماء فلا يؤذين. [4]
كما أنهم ذكروا بأن الرأي السلفي يستند إلى حديثين من الآحاد وهما: حديث عائشة عن النبي -عليه السلام-: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت أي بلغت المحيض أن تظهر
(1) انظر جمال البنا، المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء،"ع. س"
(2) صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: وليضربن بخمرهن على جيوبهن، 6/ 109."ع. س"
(3) سورة الأحزاب، الآية: 59.
(4) انظر جمال البنا، المرأة المسلمة بين تحرير القرآن وتقييد الفقهاء، ص:34 ..."ع. س"