مضحية بالنفس والنفيس في سبيل الله؛ والأمثلة على ذلك كثيرة، منها استشهاد أول شهيدة في الإسلام: سمية بنت خباط [1] من آل ياسر؛ وأسماء بنت أبي بكر المسماة بذات النطاقين؛ [2] وغيرهما كثير، كما أن السيرة قد أوضحت لنا حضور النساء للجماعة والجمعة والأعياد؛ ودروس العلم والوعظ، بل إن الرسول حظ على ذلك وأمر الحيض بحضور خطبة العيد مع الناس ليشهدن الخير.
أما ما يتعلق بخروج عائشة أم المؤمنين ضد علي رضي الله عنه في معركة الجمل، فلا يمكن الاستدلال به على اشتغال المرأة المسلمة بالسياسة في القرون المشهود لها بالخيرية؛ حيث إنه حدث بشري فردي كان تأولا خاطئا أرادت منه فقط الإصلاح بين الناس؛ [3] وكذلك كان الأمر بالنسبة للنساء اللواتي دلنا التاريخ على توليهن أمور الرعية في بعض المحطات من تاريخ الإسلام. نجد أيضا من يحتج بحكم بلقيس ملكة سبأ [4] التي وردت قصتها في القرآن الكريم؛ لكن هذا كان شرع من قبلنا، ثم إنها لما جاءتها الدعوة إلى الإسلام، أعلنت إسلامها ودخلت تحت ملك سليمان الذي أسلمت معه لله رب العالمين، كما ذكر ذلك عنها القرآن الكريم.
تلك إذن هي حجج المدافعين عن اشتغال المرأة بالسياسة، لكن في الحقيقة نجد أن المرأة المسلمة الربانية قد فضلت التفرغ لسياسة بيتها، فاستطاعت بذلك تقديم ساسة من الرجال خدموا الأمة الإسلامية؛ ودانت لهم مشارق الأرض
(1) انظر سيرتها:"ع. س"، ص: 251.
(2) انظر سيرتها:"ع. س"، ص: 237.
(3) انظر القصة: أبو بكر محمد بن العربي، العواصم من القواصم، تحقيق: مركز الأنصار للتحقيق والبحث العلمي، ط 1، (مكتبة الأنصار، 1427 ه-2006 م) ، ص: 308 - 320؛ و محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها، عدد المجلدات: 7، ط 1، (الرياض: مكتبة المعارف، 1415 ه-1995 م) ، حديث رقم (474) .
(4) لكن لابد من الإشارة هنا، ا إلى أن هذه المرأة العظيمة قدمت أروع النماذج في العدل والحكمة، الشيء الذي لم يتخلق به كثير من الرجال الذين حكموا أقوامهم في عصرنا الحديث.