القضايا؛ ثم بعد ذلك ننطلق منها إلى المستجدات التي سبق وتطرقنا إليها، فنقول وبالله التوفيق أننا إذا استقرأنا الشريعة الإسلامية، فإننا سنجد أنها لم تمنع المرأة من الخروج من بيتها ولم تطلق لها العنان في ذلك؛ وهذا طبيعي لأن ديننا دين الوسطية في كل الأمور؛ ولكن الإسلام قنن ذلك ووضع له الضوابط التي تضبطه كشأنه في كل القضايا؛ وذلك لمصلحة المجتمع برمته، حيث راعى فطرتها وطبيعتها التي لا تتحمل العسر والمشقة في كل ما وكل إليها وجاز في حقها من أعمال. وإنه لابد لنا هنا من النظر في مقاصد الشريعة الإسلامية، التي وقع بسبب الجهل بها"غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به"؛ [1] خصوصا وأن الزمان زمان نزول الحوادث واشتباك النوازل؛ وتشاجر الأقوال والحجج. ومن المعروف عند العلماء بأن المقصد العام من التشريع هو:"حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح مابين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه"؛ [2] لذلك إذا نظرنا إلى ما احتج به المانعون للمرأة في القضايا التي مرت معنا وعلى رأس ذلك قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} ، [3] فإننا سنجد بأن الحكم هنا بالوجوب على أمهات المؤمنين وأن لا يخرجن إلا لضرورة؛ وهو كمال لسائر النساء، كما أن الأمر بالقرار يفيد الإطلاق. [4] ومن ثم يتبين لنا بأن مثل هذه القضايا التي لا يكون فيها نص قاطع، يؤصل لها المانعون بقاعدة سد الذرائع التي هي:"ربع التَّكليف؛ لأنَّه إمَّا أمر أو نهي، والأمر نوعان: أحدهما: مقصود لنفسه، والثَّاني: وسيلة إلى"
(1) ابن القيم، إعلام الموقعين،"ع. س"، 4/ 337.
(2) محمدالطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية،"ع. س"، ص: 229.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 33.
(4) انظر محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، 22/ 11 ـ 12.