التي لا تنحصر على مدى الأزمان، تفضلا منه وتكرما على خير أمة أخرجت للناس، بحيث إنه -سبحانه- لم يعطل مداركنا ولم يجمد أفكارنا، فنقف بذلك حائرين مشدوهين أمام المستجد من المسائل الجزئية مع تغير العصور، بل دفع الإنسان بما أنعم عليه من عقل، إلى التفكير الدائم في ذاته وفي ماحوله من الكون والحياة؛ وحثه على العمل الدؤوب لصالح أمته؛ وحمله على الاجتهاد المنشود لاستنباط الجزئيات المستحدثة، من الكليات المقررة والأصول الثابتة من الكتاب والسنة، كما قال تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [1] . هذا؛ وإنه لما كان إعمال الفكر في نصوص الكتاب والسنة وسيلة من وسائل التعرف على الأحكام غير المنصوص عليها؛ ولما كان الاجتهاد طريقا حتميا لوقوف هذا الكائن البشري على مرامي الشريعة؛ وسبيلا للحفاظ على خلودها وصلاحيتها ومرونتها، لذلك فتح الإسلام باب الاجتهاد على مصراعيه، أمام علماء الأمة الأكفاء البررة، العاملين بالكتاب والسنة إلى يوم القيامة، من أجل تغطية حاجات الناس حسب تجدد المصالح وتغير الأعراف وتقدم الزمن.) [2] (
وبما أننا أصبحنا نعيش في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتبدل فيه الأحوال؛ وتستجد فيه القضايا والنوازل بشكل لم يسبق له نظير في التاريخ البشري، فإن الباحث سرعان ما يتبين له بأن أكبر تحد تواجهه الإنسانية اليوم، هو ذاك المتمثل في نازلة العولمة وما يصاحبها من عواصف هوجاء، أحاطت بالكون وأمعنت فيه النظر، فتبين لها أن تدميره بطريقة أسهل وأشمل ستكون عبر بوابة المرأة؛ ومن ثم وجهت دوامات إعصارها تجاه الفكر النسوي عامة والمسلم على وجه الخصوص لعولمته؛ وذلك لأنه مربط الفرس وبه قد يتماسك الكون بأجمعه أو ينهار؛ وهكذا
(1) سورة النساء، الآية: 83.
(2) انظر: محمد بن إسماعيل الصنعاني، إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد، تحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد، ط، (الكويت: الدار السلفية، 1405 ه) ، ص 4 - 5.