ومقاصدية تتعلق بجانب العبادات، فالعبادة هي أرقى الكليات وأكبر المقاصد، وقد عرفها الإمام الشاطبي [1] بأنها:"ما لا بدَّ منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين" [2] ؛ وتتمثل هذه المصالح في الأمور التالية: الدين، النفس، النسل، العقل والمال؛ وهي الأمور التي اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة جاءت لتحافظ عليها؛ وعلمها عند الأمة كالضروري كما ذكر العلماء. [3]
إنها مسألة في غاية الأهمية؛ وقد بين لنا سبحانه أنه سوف يبعثنا بعد الموت ليحاسبنا على هذه الغاية؛ أما طريق الوصول إليها، فقد أوضحها الحق سبحانه في منهاج الخلافة؛ وهكذا اختص الوحي الإلهي بالإرشاد إليهما؛ وأوكلت إلى العقل البشري مهمة الفهم والإنجاز فيهما، ثم رتب الثواب على هذا التكليف في حالة الفوز؛ والعقاب في حالة الخسران. [4] إذن، فإنجاز المنهج الخلافي يكون من طرف ثنائية العقل والوحي، للوصول إلى غاية الوجود الإنساني؛ وعليه"فليس الوحي والعقل إلا وسيلتين للتعريف بالحقيقة، فيما ينبغي للإنسان أن ينتهج من أنماط في الفكر والسلوك، ليتعامل مع الكون بما يؤدي إلى غاية وجوده" [5] ؛ وهنا تتراءى للباحث روابط، تكون علاقة وطيدة بين العقل والنقل عن طريق عملية الاجتهاد؛ وإعمال العقل بالنظر واستنطاق
(1) هو: إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، كنيته: أبو إسحاق، قدرت سنة ولادته بـ: 720 هـ، وتوفي سنة 790 ه.
(2) أبو إسحاق الشاطبي،"الموافقات في أصول الشريعة"، شرح وتخريج وضبط عبد الله دراز، (مصر: المكتبة التجارية الكبرى) ، 2/ 7
(3) أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المستصفى من علم الأصول، دراسة وتحقيق: حمزة بن زهير حافظ، عدد المجلدات: 4، (شركة المدينة المنورة) ، 2/ 482؛ فخر الدين محمد بنعمر بن الحسين الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، دراسة وتحقيق: طه جابر فياض العلواني، عدد الأجزاء: 6، (مؤسسة الرسالة) ، 5/ 160؛ الشاطبي،"ع. س"، 1/ 38؛ سيف الدين الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، عدد الأجزاء: 4، (مصر: مطبعة المعارف، 1332 ه-1914 م) ،3/ 393 - 394؛ محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، ط 2، (الأردن، دار النفائس، 1421 ه-2001 م) ، ص: 86 - 93.
(4) انظر: عبد المجيد النجار،"ع. س"، ص: 29 - 30.
(5) "ع. س"، ص 35.