عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [1] ؛ وكلفه بمهمة الاستخلاف في الأرض كما في قوله تعالى أيضا: {ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} . [2] ولهذا، فإن هذا الإنسان خاضع للتغيير ومحدث له في آن واحد؛ وذلك بحسب المواقف التي يتعرض لها والتي تكون محكومة بشخصه كفرد؛ وبالظروف والبيئة التي تحيط به وقد تصنعه، فهو يتغير ويتأثر بكل هذا، ما يجعله قادرا بدوره على التغيير والتأثير في ما حوله؛ وذلك كله قد يكون سلبا أو إيجابا. وهكذا فإن عملية التغيير هذه، يكون المستقبل فيها مرسلا والمرسل مستقبلا في نفس الوقت، فهي عملية تدور وتسبح في دائرة فلكية شأنها في ذلك شأن كل مايسبح في الكون من أجرام، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [3] .
إن الإنسان الخليفة هذا، هو مخلوق من نوعين: أحدهما ذكر والآخر أنثى؛ والإنسان بنوعيه مكلف بالخلافة وبحمل الأمانة التي عرضها الله سبحانه على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها كما قال تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [4] ؛ وليس ذلك من اختصاص الرجل دون المرأة، كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان، فكلمة"الإنسان"مفرد معرف بأل، يعني أن الألف واللام اتصلت بنكرة ليس في جنسها معهود فهي تعم؛ والاستغراق مفهوم فيها من الألف واللام، فهي تستغرق جميع ما يصلح لها، كما هو معروف في كتب أصول الفقه. [5] ومن هنا نتطرق إلى مهمة النوع الثاني للإنسان الذي يغفل عنه الكثيرون في هذا المجال؛ ولا يعيرونه أهمية إلا في مجالات أخرى تتماشى مع رغباتهم وأهوائهم، إنه الشق الأنثوي: ذاك هو"المرأة الإنسان".
(1) سورة الإسراء، الآية: 70.
(2) سورة يونس، الآية: 14.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 33.
(4) سورة الأحزاب، الآية: 72.
(5) انظر محمد الأمين الشنقيطي، مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر، إشراف: بكر أبو زيد، ط 1، (السعودية: دار عالم الفوائد، 1426 ه) ، ص 318؛325؛ وأبو بكر أحمد السرخسي، أصول السرخسي، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني، عدد الأجزاء: 2، ط 1، (لبنان: دار الكتب العلمية، 1414 ه-1993 م) ،1/ 160.