فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 359

-وطرف ثان تظهر فيه بمظهر أصل من الأصول التشريعية الذي راعته الشريعة؛ لذلك يجب على ولاة الأمور حمل الرعية عليه؛ وإلزام المسلمين بالمصير إليه وإلى فروعه في أنواع المعاملات؛ [1] وذلك لأن عدم التحلي بخلق المساواة يجعل من صاحبه ظالما معتد على حقوق غيره لا يراعي فيهم إلا ولا ذمة، الشيء الذي يهدد استقرار الناس وأمنهم؛ فهو متعلق بالمعاملات التي تعظم حرمتها عند الله عز وجل؛ لا يسامح فيها رب البرية إلا أن يغفر صاحب الحق ويتنازل عنه.

هذا فيما يتعلق بمعنى المساواة بين الناس عامة؛ والأمر أعظم إذا تعلق الظلم وعدم المساواة بمن هو أقرب وأضعف، كالمرأة التي هي موضوع هذا البحث؛ لذلك دافعت الشريعة بقوة عن حقوقها؛ ونزلت سورة كاملة باسمها، ألا وهي سورة النساء، بل وقدسمع الله مجادلتها للنبي عليه السلام في زوجها، فلم تلبث حتى نزل الوحي بحقها في سورة المجادلة؛ وجعل ظلمها تنبني عليه أحكام شرعية تحرم مخالفتها.

إن خلقي العدل والمساواة ينبغي أن ينبع من داخل الفرد بتربيته عليهما، وذلك من خلال غرس مبدأي الخوف من الله العلي القدير؛ والرجاء والطمع في ما عنده من رحمة ونعيم مقيم، فهما كالجناحان لا يمكن أخذ التوازن إلا بهما. وبذلك يراعي الإنسان حقوق غيره لاعتقاده الجازم بأنه سوف يحاسب عليها؛ وإلا فلن تكون القوانين الأرضية ذات فاعلية كبرى في الموضوع كما هو الواقع المعاش؛ وذلك لسبب بسيط، ألا وهو قدرة هذا الإنسان على التحايل على كل القوانين، إلا ما كان نابعا من خوف وطمع داخليين.

المساواة عند المنادين بسيادة المرأة والزج بها في صراع مع الرجل:

إن حاملي هذا اللواء لهم خصائص يتميزون بها عن غيرهم، فهم سريعا ما يعرفون من لحن القول، لأنهم حين يدافعون عنها باعتبارها مظلومة ومهضومة الحقوق، فهم إنما يركزون على

(1) انظر: الطاهر بن عاشور، أصول النظام الإجتماعي، ص 143 ـ-144"ع. س"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت